ابحث في هذا الموقع
تم العثور على 22 نتيجة مع بحث فارغ
- العضل في الزواج... بين مسؤولية الولاية وحق المرأة في الاختيار
الأسرة هي المنطلق الذي يتكون فيه وعي الإنسان وفيها يتعلم موازنة العقل والعاطفة ويكتسب معنى المسؤولية والانتماء، ومن خلالها تتشكل الموازين الأولى للعدل وتنغرس القيم بالممارسة والقدوة فينشأ الفرد على الرحمة والاحترام المتبادل، وحين تضعف الأسرة يضطرب الإحساس بالاتزان وتغيب مرجعية الحوار فيميل القرار إلى الانفعال ويبتعد السلوك عن مقاصد الدين في الحكمة والرحمة. ومن صور هذا الاضطراب ما يعرف بالعضل، وهو امتناع الولي عن تزويج موليته بالكفء الذي رضيت به دون سبب معتبر، وهذه الحالة تعبر عن خلل في فهم الولاية التي جعلها الله تكليفًا يقوم على الرعاية والإصلاح، فالولي مؤتمن على مصلحة المرأة وكرامتها، والولاية في جوهرها مسؤولية تحفظ المودة وتقيم الأسرة على التعاون والرحمة. قال تعالى: "فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ"، وهي آية تقرر مبدأ الحرية المسؤولة في الزواج وتضع حدودًا تحمي المرأة من التعسف في استعمال الولاية، فالتكليف في جوهره رعاية لا سلطة. وقد نظم قانون الأحوال الشخصية العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 32/1997 أحكام الولاية في الزواج، فنص في المادة (11) على أن الولي هو العاصب بنفسه على ترتيب الإرث، واشترط أن يكون ذكرًا عاقلًا بالغًا غير محرم بحج أو عمرة، ومسلمًا إذا كانت الولاية على مسلمة. كما بينت المادة (251) ترتيب العصبة بالنفس ابتداءً من الأبناء، ثم الآباء، فالإخوة، فالأعمام وأبنائهم، أما المطلقة أو الأرملة فتكون ولايتها لابنها البالغ العاقل المسلم متى توافرت فيه الأهلية. واستقر قضاء المحكمة العليا على أن القاضي لا يتدخل إلا إذا امتنع الولي دون مسوغ معتبر أو فقد شرط العدالة، فيباشر الولاية تحقيقًا للإنصاف وصونًا للحقوق. وأكد المرسوم السلطاني رقم 55/2010 هذا التنظيم بجعل دائرة المحكمة الشرعية بالمحكمة العليا الجهة المختصة دون غيرها بالفصل في دعاوى العضل، ومنح المرأة حق التظلم من الحكم أمام جلالة السلطان خلال ثلاثين يومًا من تاريخ صدوره، مما أوجد إطارًا تشريعيًا يجمع بين الجانب الموضوعي والإجرائي ويضمن للمرأة حقها في الزواج ضمن نظام قانوني متوازن يحفظ كرامتها ومصلحتها. وعندما ينظر القضاء دعاوى العضل، فإنه يوازن بين رغبة المرأة في الزواج وشرط الكفاءة الذي يعد أساس التوازن الأسري، وقد قررت المحكمة العليا أن الكفاءة تشمل الدين والخلق والعادات والنسب والمكانة الاجتماعية، لأن الزواج عقد مودة وسكن يقوم على التفاهم والاحترام، فالتكافؤ يمنع التنافر ويسهم في استمرار الحياة الزوجية بروح المسؤولية، وهو مقصد شرعي واجتماعي يرمي إلى تحقيق المصلحة العامة وحماية الأسرة من الاضطراب. ومن خلال الممارسة القضائية يظهر أن القضاء العماني يتجه إلى رفض دعاوى العضل متى ثبت اختلال شرط الكفاءة، لأن الزواج علاقة تقوم على المصلحة المتبادلة والتوافق الإنساني، فالكفاءة معيار موضوعي يحقق الانسجام ويمنع التصادم بين القيم والتصورات. ويرى بعض الفقهاء أن مفهوم الكفاءة لا ينبغي أن يُفسر تفسيرًا اجتماعيًا ضيقًا، لأن التفاوت في العادات أو المكانة لا يمنع المودة إذا توافرت الأخلاق والدين، بينما يرى آخرون أن مراعاة الأعراف الاجتماعية ضرورية لحماية الاستقرار الأسري وتجنب الصدام بين البيئات المختلفة، وهو ما تبناه القضاء العماني عند تحديد معايير الكفاءة على نحو متوازن يجمع بين الواقع والمقاصد الشرعية، ويحقق مصلحة الأسرة دون الإخلال بحق المرأة في اختيار شريك حياتها. وقد رسّخ القضاء العماني هذا الفهم في عدد من أحكامه، حيث أوضحت المحكمة العليا أن الولاية تمارس لتحقيق المصلحة الشرعية للمرأة وصيانة كرامتها، وأنها مسؤولية تُؤدى بروح الرعاية لا بدافع السيطرة أو العادة. وجاء في أحد الأحكام أن الكفاءة في الزواج لا تقتصر على الدين فقط، فهي تشمل العادات والنسب والمكانة الاجتماعية، لأن التفاوت في هذه الجوانب قد يورث النفور ويهدد استقرار الأسرة، واستدلت المحكمة بما رواه ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" كما استشهدت بما ورد عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤًا". وبيّن الحكم أن عمل الفقهاء في أغلب البلاد الإسلامية جرى على مراعاة الكفاءة في الدين والنسب والعادات، وأن إغفالها يؤدي إلى اضطراب العلاقة الزوجية ويؤثر في المودة والاحترام بين الأسرتين. وخلصت المحكمة إلى أن الولاية تكليف يوجب على الولي أن ينظر في مصلحة موليته نظرة متجردة عن الأهواء والعادات، وأن امتناعه عن تزويجها بالكفء دون سبب معتبر يعد تعسفًا يوجب تدخل القضاء لرفع الضرر وإحقاق الحق. الزواج قرار مصيري يحتاج إلى وعي عاطفي وعقلي متوازن، ومع تطور وسائل التواصل أصبحت العلاقات تبدأ بخطوات بسيطة تمتد إلى حديث يبعث شعورًا بالألفة، وقد تنشأ العاطفة من لحظة صدق تتحول إلى اندفاع غير محسوب ما لم يصحبها عقل راجح، والمرأة الواعية تدرك أن العاطفة الصادقة لا تكفي لبناء بيت مستقر ما لم تقم على فهم مشترك واحترام متبادل، فالحب وحده لا يمنح استقرارًا إذا لم يستند إلى توازن بين المشاعر والواقع. وقد قال قيس ليلى: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا وهذا البيت يصور بعمق كيف تتسلل العاطفة إلى القلب قبل الوعي بها، فإذا غاب الرشد تحولت المودة إلى اندفاع لا يدرك عواقبه صاحبه. وحين يتعلق الاختيار بشخص من جنسية مختلفة تتضاعف الحاجة إلى التروي، لأن الزواج لا يجمع شخصين فقط بل ثقافتين وعائلتين، وقد فتح المرسوم السلطاني رقم 23/2023 باب الاختيار على نطاق أوسع بإلغاء القيود السابقة على زواج العمانيين من أجانب، غير أن هذا الانفتاح يستدعي وعيًا أكبر، لأن القانون لا يمنح أبناء المرأة العمانية من غير العماني الجنسية، مما يقتضي النظر في مستقبل الأبناء والبيئة التي سيُربَّون فيها، فالحياة الأسرية مسؤولية تمتد عبر الأجيال وتحتاج إلى بصيرة توازن بين العاطفة والعقل. احترام رأي الأهل في مسائل الزواج علامة على النضج، فالأهل يرون بعين التجربة ما قد تعجز العاطفة عن إدراكه، والتجارب تثبت أن الحوار الهادئ داخل الأسرة يطفئ كثيرًا من التوتر، وأن الكلمة الصادقة بين أفراد البيت تغني عن النزاع أمام القضاء، والمجتمعات التي تحافظ على روابطها الأسرية تحافظ على توازنها النفسي والاجتماعي، لأن الإصغاء المتبادل والمصارحة هما خط الدفاع الأول ضد الانقسام والاضطراب. وقد شهدت سلطنة عمان في السنوات الأخيرة تطورًا تشريعيًا ملحوظًا في مجال حماية المرأة وتنظيم شؤون الأسرة، فالقوانين الحديثة أكدت حقها في اتخاذ قراراتها ضمن إطار أحكام الشريعة وقيم المجتمع، وسُحبت بعض التحفظات التي كانت قائمة على اتفاقيات دولية حتى أصبحت النصوص الوطنية أكثر اتساقًا مع مبادئ العدالة والكرامة التي يقوم عليها النظام القانوني للدولة، ويعكس هذا التطور وعيًا مؤسسيًا يرى أن صون المرأة من التعسف في الولاية جزء من رؤية متكاملة لحماية التوازن الأسري واستقرار المجتمع على أساس من الرحمة والمسؤولية المشتركة. العضل في جوهره ليس قضية قانونية فحسب، فهو انعكاس لوعي المجتمع بثقافة الحوار ومسؤولية القرار، فحين تمارس الولاية بالحكمة ويُفهم شرط الكفاءة فهمًا سليمًا وتبنى القرارات على المصلحة والمشاورة، تغلق أبواب النزاع قبل أن تُفتح، والقضاء يتدخل حين تعجز الأسرة عن الحل الداخلي ليضع الحكم الذي ينهي الخصومة من الناحية القانونية، غير أن التئام القلوب يحتاج إلى وعي وصبر ورحمة لا يملكها إلا من شعر بمسؤوليته تجاه من يحب. الولاية في أصلها نظام رعاية لا سلطة، ومقصدها تحقيق المصلحة وصون الكرامة، ومن يتولاها بعقل راشد وعدل حكيم يقيم الأسرة على الرحمة والمودة ويحقق مقصود الشريعة في السكن والطمأنينة، وحين تبنى العلاقات على الحوار وتمارس الحقوق بروح المسؤولية تغلق أبواب العضل وتبقى الأسرة العمانية نموذجًا للتوازن بين الدين والقانون وبين العاطفة والعقل وبين الحرية والانضباط. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شـــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- الخيانة الزوجية في زمن مواقع التواصل الاجتماعي ... بيوت على حافة الانهيار
الزواج أعمق من عقد يوثق بين رجل وامرأة، فهو عهد يقوم على الوفاء والإخلاص، وقد صوره القرآن الكريم في قوله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"، هذه الآية ترسم ملامح العلاقة التي أرادها الله للبشر، علاقة تقوم على السكن والرحمة وتعتمد على الصدق والثقة، ومع تطور الحياة وتغير وسائل التواصل بين الناس أصبح هذا العهد يواجه صورا جديدة من الخيانة تهدد جوهره، خيانة تمارس في فضاءات مفتوحة تهز الثقة وتبدد المودة. يرى إدوارد ويسترمارك في كتابه تاريخ الزواج أن هذه المؤسسة، منذ نشأتها، كانت وسيلة لتنظيم الغريزة وحماية النسل، ثم تحولت إلى نظام أخلاقي يقوم على التعاون والإخلاص؛ فالإنسان حين تجاوز حاجاته البدائية بدأ يبحث عن الرفقة والصدق والتكامل، وعد الوفاء شرطا لدوام العلاقة، وأشار إلى أن المجتمعات التي احترمت الولاء داخل الزواج كانت أكثر استقرارا؛ لأن خيانة الفرد ليست انحرافا شخصيا فقط، فهي هدم لبنية الثقة في الجماعة، وهذا التصور يوضح أن الخيانة ليست خروجا عن الحب، لكنها انحراف عن التوازن الإنساني الذي يقوم عليه الاستقرار. تشير الدراسات الاجتماعية الحديثة إلى أن الاستخدام المفرط لمواقع التواصل أنتج ما يسمى بالخيانات الصامتة، حيث تبدأ المشاعر الرقمية برسائل بسيطة في ظاهرها ثم تتحول إلى ارتباط عاطفي يضعف العلاقة الواقعية بين الزوجين، وتبين دراسات في علم النفس الأسري أن التواصل الإلكتروني المتكرر مع الغرباء يقلل من الإشباع العاطفي ويخلق حالة من المقارنة الدائمة؛ فينشأ شعور بعدم الرضا يقود أحد الطرفين إلى العالم الافتراضي بحثا عن اهتمام مفقود، فتتحول الشاشة إلى مرآة مشوشة للحب وتسحب العاطفة من موضعها الطبيعي إلى واقع هش يفتقد الصدق. في المجتمع العماني كان الزواج مؤسسة تقوم على الحياء والمسؤولية، فالعائلة نواة الاستقرار، والإخلاص عنوان الكرامة، والزوجة تجد في زوجها أمانا، والزوج يرى فيها حرزا وسكينة، وحين تقع الخيانة كان الناس يعدونها عارا يهدد شرف الأسرة، ومع دخول التقنيات الحديثة تغير المشهد؛ فالمنازل أصبحت مفتوحة على العالم من خلال الهاتف، والخصوصية تراجعت أمام التفاعل المستمر، وبعض البيوت اهتزت بسبب رسالة، وقلوب انكسرت بسبب صورة، وأطفال نشؤوا على فكرة أن الحب قابل للاستبدال وأن الوفاء ترف نادر، وهذه التحولات لم تنشأ فجأة؛ فهي نتيجة زمن أزال الحواجز بين المباح والمستور وأتاح للفضول تجاوز حدود الطمأنينة. نص قانون الأحوال الشخصية على أن الزواج عقد غايته الإحصان وإنشاء أسرة مستقرة تقوم على المودة والرحمة، وأوجب على الزوجين حسن المعاشرة وتبادل الاحترام والعطف والمحافظة على خير الأسرة، وهذه النصوص تمثل إطارا أخلاقيا يوجه الإنسان نحو إدراك الثقة بوصفها مسؤولية روحية قبل أن تكون حقا متبادلا، وتذكر بأن الوفاء قيمة تتقدم على المصلحة، وأن الإخلاص طريق لحفظ المودة واستمرار السكن؛ فالقوانين لا تقدر على حماية العهد إذا غابت التقوى؛ لأن القلب هو الحارس الأول للعلاقة، والنية سور يصون المودة من الانهيار، وعندما يضعف الضمير تضعف الروابط التي تحمي الأسرة من التفكك، فيتحول العقد من ميثاق مقدس إلى علاقة خاوية من المعنى. تحدث ويسترمارك بإسهاب عن الغيرة الزوجية وعدها إحساسا فطريا غايته حماية العلاقة من الانتهاك، ورأى أن المجتمعات التي حاولت إلغاء هذا الإحساس فقدت قدرتها على التمييز بين الوفاء والتراخي الأخلاقي؛ فالغيرة في نظره وعي بالمسؤولية تجاه الشريك وصوت داخلي يحرس حدود المودة، وأوضح أن الخيانة لا تبدأ بالفعل المادي؛ إنها تبدأ بانحراف الشعور الذي يسبق السلوك، وعندما تتسلل إلى النفس تضعف القيمة الأخلاقية للعلاقة حتى تذوب المودة وتضمحل الثقة، وهذا ما تؤكده دراسات علم الاجتماع المعاصرة التي ترى أن التفاعلات العاطفية عبر الوسائل الرقمية قد تكون أشد خطرا من الأفعال المادية؛ لأنها تحدث شرخا في الوجدان وتضعف الإحساس بالالتزام، فيتحول الحوار الافتراضي إلى مدخل للاضطراب العاطفي، وتغدو الكلمة العابرة بداية تصدع في جدار الأسرة، فتضيع الثقة التي يقوم عليها الزواج ويتحول السكن الذي أراده الله مودة ورحمة إلى مساحة يسكنها الشك والفراغ. تكشف الإحصاءات الحديثة في عمان عن ارتفاع في حالات الطلاق خلال السنوات الأخيرة، ويعزو باحثون جانبا من هذا الارتفاع إلى سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وما تسببه من غيرة وشك وتراجع في الثقة بين الأزواج، ويرتبط هذا الواقع بالتحولات الثقافية والاقتصادية التي غيرت نمط الحياة الزوجية، فالزوجان اليوم يعيشان في عالم سريع الإيقاع يستهلك الوقت والذهن، ويواجهان فيضا من الصور المثالية للعلاقات عبر المنصات؛ مما يولد شعورا بالمقارنة المستمرة ويزرع في النفس توقعات زائفة تجعل الرضا صعبا وتدخل العلاقة في دوامة من الشك والانفصال العاطفي. الحل لا يقوم على المنع وحده، لأن المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، فهي تتصل بطريقة التعامل معها، ولهذا على الزوجين أن يضعا حدودا واضحة لحياتهما الرقمية، وأن يمارسا وعيا يحميهما من مواطن الفتنة، فالتربية على الوفاء تبدأ منذ الصغر حين يغرس في القلب أن الأمانة ليست قولا، إنها سلوك يثبت في السر والعلن، كما أن الإخلاص لا يقوم على المراقبة، بل على الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر، وفي البيت العماني الأصيل ما زالت الجدات يرددن حكمة متوارثة تقول: الستر زينة، والثقة رزق، والخيانة نار لا تطفأ، وهي عبارة تختصر خلاصة التجربة الإنسانية، لأنها تعبر عن فهم يدرك أن الاستقرار لا يقوم على السيطرة، فهو يقوم على النية الصادقة والثقة المتبادلة. الزواج في جوهره عهد أمام الله، لا يحفظ بالقوانين وحدها، ولا ينهار بخطأ عابر ما دامت هناك رغبة في الإصلاح، وخطر وسائل التواصل ظهر حين جعل الغياب سهلا والاستبدال ممكنا والنسيان عادة، فتحول الحب إلى مشاعر بلا جذور وفقد معناه الأصيل، وحين يغيب الضمير تتكاثر المبررات ويعاد تعريف الخطأ بأسماء براقة تخفي جوهر الخيانة، ولهذا يحتاج الإنسان اليوم إلى يقظة تعيده إلى المعنى الذي بدأ به الله آيات الزواج: " لتسكنوا إليها"، فالسكن لا يتحقق بالخداع، ولا تبنى الرحمة على الكتمان، ولا يعيش الحب في ظل الخيانة ولو كانت خلف شاشة، والحياة الزوجية تبقى ما دام القلب يعرف طريقه بين الإخلاص والخلاص. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شـــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- عقوبة إبعاد الأجنبي بين القانون العماني والتنسيق الأمني الخليجي
جاء هذا المقال نتيجة نقاش قانوني جرى بيني وبين الزميلين الأستاذ محمود الناصري والأستاذ ناصر المعولي، وهما من المحامين المقيدين أمام المحكمة العليا، حيث تناولنا خلاله عقوبة إبعاد الأجنبي من البلاد من حيث طبيعتها القانونية باعتبارها عقوبة تكميلية تلحق بالحكم الجزائي، مع بيان الفرق بينها وبين الإبعاد الإداري الذي تصدره السلطة التنفيذية استنادا إلى المصلحة العامة وتقدير مقتضياتها. وقد تطرق النقاش إلى مسألة مدى جواز إلغاء عقوبة الإبعاد أو وقف تنفيذها بعد أن يصبح الحكم باتا، من خلال تقديم إشكال في التنفيذ عبر الادعاء العام، ومدى سلطة المحكمة في نظر هذا الطلب. وامتد الحوار إلى أثر الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون الخليجي التي تمت المصادقة عليها بالمرسوم السلطاني رقم (5/2014)، وما إذا كانت تلزم الدول الأعضاء بإبعاد الأجنبي الذي صدر بحقه حكم بالإبعاد في إحدى دول المجلس، أو أن لكل دولة سيادتها في تقرير المنع أو السماح بالدخول وفق تشريعاتها الوطنية. وتعددت الآراء حول هذه المسائل، فدفعتني إلى دراسة النصوص القانونية والتطبيقات القضائية والاتفاقيات ذات الصلة، وصولا إلى رؤية قانونية متكاملة لماهية الإبعاد وحدوده. نص قانون إقامة الأجانب الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (16/95) في بابه الخامس على تنظيم أحكام الإبعاد، حيث أجاز للسلطة المختصة إصدار قرار إداري بإبعاد الأجنبي إذا كان وجوده يهدد أمن البلاد أو نظامها العام، كما منح للمحكمة صلاحية الحكم بالإبعاد كعقوبة تكميلية متى ارتبطت الجريمة ببقاء الأجنبي في السلطنة. ويستفاد من ذلك أن الإبعاد في صورته القضائية عقوبة تكميلية ذات طابع وقائي، تقدرها المحكمة تبعا لخطورة الفعل وشخصية المحكوم عليه. وقد نصت المادة (60) من قانون الجزاء على أنه يجوز الحكم بإبعاد الأجنبي المحكوم عليه في جناية أو جنحة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، الأمر الذي يجعلها عقوبة مرتبطة بتقدير قضائي لا إداري. أما من حيث التنفيذ، فإن الإشكال المقدم لوقف عقوبة الإبعاد بعد صدور الحكم البات لا يعد طريقا للطعن في الأحكام، لأن الإشكال في التنفيذ وسيلة قانونية تقتصر على معالجة العراقيل اللاحقة لمرحلة التنفيذ دون أن تمتد إلى جوهر الحكم ذاته. وقد أكدت المحكمة العليا هذا المبدأ حين قررت أن محكمة الإشكال لا تملك سلطة وقف تنفيذ عقوبة الإبعاد المقضي بها بحكم نهائي، لأن في ذلك مسا بحجية الحكم، وبيّنت أن أسباب الإشكال المقبولة هي تلك التي تتعلق بوقائع لاحقة تمنع التنفيذ ماديا أو قانونيا، لا تلك التي تستند إلى مناقشة الحكم أو صحته. ومن ثم فإن طلب إلغاء الإبعاد أو وقفه بعد صيرورة الحكم باتا لا يدخل في نطاق ولاية محكمة الإشكال، ويعد تجاوزا للحدود المقررة قانونا. أما الإبعاد الإداري، فهو إجراء تنظيمي يصدر عن الجهة المختصة وفق قانون إقامة الأجانب ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار رقم (63/96) وتعديلاته، ويتخذ متى رأت الإدارة أن وجود الأجنبي يشكل خطرا على الأمن أو النظام العام أو المصلحة العامة. وتمارس هذه السلطة في إطار التقدير الإداري المقيد بضوابط المشروعية، بحيث يجوز الطعن في قرار الإبعاد أمام القضاء الإداري إذا تبين أنه صدر دون مبرر كاف أو انحرف عن الغاية التي قررها القانون. ويمثل هذا النوع من الإبعاد تدبيرا وقائيا لا عقوبة، يهدف إلى حماية المجتمع دون أن يستند إلى حكم قضائي بالإدانة. وعلى المستوى الإقليمي، نصت الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الموقعة في الرياض عام 2012، والمصادق عليها بالمرسوم السلطاني رقم (5/2014)، على التعاون الأمني بين الدول الأعضاء، وتبادل المعلومات المتعلقة بالمبعدين وأصحاب السوابق. وقد ورد في مادتها الثامنة أن الدول الأطراف تتبادل أسماء المبعدين والبيانات المتعلقة بهم والإبلاغ عن تحركاتهم. ويفهم من هذا النص أن الاتفاقية تنشئ التزاما بتبادل المعلومات والتنسيق الأمني، دون أن تفرض إلزاما متبادلا بتنفيذ قرارات الإبعاد أو المنع، لأن المادة الأولى منها أكدت أن التعاون يتم وفق تشريعات كل دولة. ويعني ذلك أن لكل دولة سيادتها الكاملة في تقرير من يسمح له بدخول أراضيها أو يمنع من ذلك، وأن تنفيذ الإبعاد الصادر في دولة ما لا يمتد تلقائيا إلى بقية دول المجلس، بل يخضع لتقديرها الوطني وفق أنظمتها الخاصة. ومن خلال هذا الترابط بين القانون الوطني والاتفاقية الإقليمية، يتضح أن الإبعاد في التشريع العماني يقوم على أساس مزدوج: الأول قضائي يصدر بحكم جزائي ويعد عقوبة تكميلية، والثاني إداري يعد تدبيرا تنظيميا تصدره السلطة المختصة في نطاق المصلحة العامة. وتختلف آثارهما من حيث الطبيعة والضمانات والرقابة القضائية، فالعقوبة القضائية تخضع لحجية الحكم ولرقابة المحكمة العليا عند الطعن، أما التدبير الإداري فيخضع لرقابة القضاء الإداري ضمن حدود المشروعية. ويظل الإبعاد – سواء كان قضائيا أو إداريا – إجراء بالغ الأثر في حياة الفرد، لما يترتب عليه من إنهاء علاقة الإقامة والعمل والملكية والارتباط الأسري داخل البلاد، ما يستدعي تطبيقه في أضيق نطاق وبما يتفق مع مبادئ العدالة والضرورة، دون أن يتحول إلى أداة لإلغاء الوجود القانوني للأجنبي خارج رقابة القضاء. لقد أثبت النقاش أن مفهوم الإبعاد في القوانين الخليجية يقوم على التوازن بين حماية الأمن العام واحترام الحقوق الفردية، وأن الاتفاقية الأمنية جاءت لتعزيز التعاون بين الأجهزة لا لنقل الولاية القضائية من دولة إلى أخرى. وبهذا تتضح الطبيعة القانونية للإبعاد، وتتحدد حدوده بين العقوبة التي تصدر باسم العدالة والتدبير الذي يتخذ باسم الدولة، في إطار السيادة التي لا تجزأ والتعاون الذي لا يلغي الاختصاص. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شـــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- الهاتف الشخصي بين حرمة المتوفى، حدود العلاقة الزوجية، والحق في الامتناع عن الإفصاح أثناء التحقيق
في ظل الثورة التقنية التي أعادت تشكيل مفاهيم الخصوصية، لم يعد الهاتف المحمول مجرد أداة اتصال، إذ تحول إلى خزانة رقمية تحتضن بيانات حياة حامله، حيث يحتفظ بأفكاره، انفعالاته، مراسلاته، صوره، ومعلوماته الشخصية؛ مما يجعله امتدادًا لهويته ومرآة لذاكرته، ويفرض هذا الواقع التعامل مع الهاتف وفق أحكام الحماية القانونية والضوابط الأخلاقية، سواء خلال حياة الفرد، بعد رحيله، في إطار علاقاته الأسرية، أو أثناء الإجراءات الجزائية. عندما سُئل أحد الفقهاء عن مشروعية الاطلاع على هاتف متوفى لاستخلاص بيانات يراها الأقارب أو الجهات المختصة ضرورية، أجاب: “غير جائز”، موضحًا أن البيانات المحفوظة تُعد من العناصر التي تشملها حرمة الحياة الخاصة، ولا يجوز الاطلاع عليها إلا لضرورة قصوى، وبشروط قانونية دقيقة؛ إذ يعكس هذا الموقف مبدأً قانونيًا: البيانات الرقمية لا تُعد أموالًا منقولة، ولا تنتقل حيازتها تلقائيًا بعد الوفاة، مما يؤكد أن حرمة الخصوصية تتجاوز حدود الحياة. وفي سياق العلاقات الزوجية، يعتقد البعض أن عقد الزواج يخول أحد الزوجين الاطلاع على هاتف الآخر بدافع الشك أو الحيطة، لكن هذا الاعتقاد يتعارض مع مبادئ الثقة والاحترام، التي تستند إليها العلاقة الزوجية؛ فالحياة الخاصة حق أصيل، لا يسقط بالزواج، ولكل فرد نطاق شخصي، لا يجوز المساس به دون موافقته، والقانون العماني من ضمن قوانين الدول، التي تحترم الحقوق الفردية، وتعد هذا الاطلاع انتهاكًا للخصوصية، وقد تصنفه جريمة معاقب عليها. أما أثناء الإجراءات الجزائية ( التحقيق)، فيمتنع بعض الأفراد عن فتح هواتفهم، أو الكشف عن رموز الوصول، ويُعد هذا الامتناع ممارسة مشروعة لحق الصمت، المقرر في القانون، حيث يحتوي الهاتف على بيانات رقمية، قد تشمل معلومات لا صلة لها بالدعوى، أو تتعلق بأطراف آخرين؛ لذا فإن الاطلاع عليه دون ضوابط يعرض حامله لانتهاك غير مبرر. كما تنص المادة (36) من النظام الأساسي للدولة على حماية الحياة الخاصة، وصون المراسلات ووسائط الاتصال، مع حظر الاطلاع عليها إلا بإذن قضائي، ووفق القانون، بينما يشترط قانون الإجراءات الجزائية موافقة الادعاء العام، قبل تفتيش الأجهزة الإلكترونية، ويؤكد قانون حماية البيانات الشخصية، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2022، هذا التوجه؛ إذ يحظر جمع البيانات الشخصية، معالجتها، أو الإفصاح عنها دون موافقة صريحة من صاحبها، إلا في حالات الضرورة المشروعة، ووفق شروط محددة. وتُعد البيانات الإلكترونية، التي تُعرّف الفرد أو تجعله قابلاً للتحديد، بيانات شخصية، تشمل ما يخزن في الهاتف من معلومات، صور، ومراسلات، وإلزام الفرد بالكشف عن رمز الوصول، أو تمكين السلطات من الاطلاع على بيانات هاتفه دون إذن قضائي، يُعد إخلالًا بحرمة البيانات، التي يكفلها القانون؛ ما لم تنطبق استثناءات الضرورة، التي تقررها السلطة القضائية، ويتيح قانون حماية البيانات الشخصية لصاحب البيانات حق الاعتراض، وتقديم الشكاوى عند أي انتهاك. ويقارن البعض بين الامتناع عن تقديم عينة بيولوجية، كفحص المواد المحظورة، ورفض فتح الهاتف، لكن الفحص البيولوجي يستهدف إثبات حالة آنية، بينما يحتوي الهاتف على سجل رقمي، يمتد لحياة الشخص؛ مما يجعل الاطلاع عليه مخاطرة بانتهاكات أوسع، ويقارب تسليم رمز الوصول الاعتراف القسري، وهو ما يتعارض مع المبادئ القانونية الجزائية. وإذا طرح تشريع يُجرّم رفض فتح الهاتف، فإنه سيواجه تحديات دستورية وحقوقية، حيث تُعد الحياة الخاصة حقًا أساسيًا، يرتبط بكرامة الإنسان، ولا يُقيد إلا لضرورة قصوى، وبحدود القانون؛ لذا يُفضل تعزيز الوسائل التقنية للتحقيق، تحت رقابة قضائية دقيقة، لاستخلاص الأدلة دون المساس بالحقوق. يبقى الهاتف المحمول أداة تختزن حياة حامله بكل تفاصيلها، وحماية خصوصيته تعزز الثقة في العدالة، بينما يضعف المساس بها هذه الثقة؛ فالتوازن بين متطلبات التحقيق وحقوق الأفراد يتطلب تشريعا واعيا، يضع الإنسان في موضع الاحترام، ويكفل للعدالة ممارسة دورها ضمن حدودها المشروعة. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شـــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- من هرتزل إلى تيك توك.. مسار تحول القيم وصياغة أخلاق جديدة
في أواخر القرن التاسع عشر، لم تقتصر الحركة الصهيونية على أهداف سياسية أو طموحات استعمارية، فقد رأى بعض قادتها، ومنهم تيودور هرتزل، أن الثقافة تمثل وسيلة بعيدة المدى لتغيير المجتمعات، وقد لمح هرتزل في كتابه الدولة اليهودية إلى ضرورة التأثير في العادات والأفكار من أجل صياغة واقع جديد، وهو توجه تجاوز حدود فلسطين ووجد صداه في عدد من المجتمعات الأوروبية. في ألمانيا، برزت حركات فكرية مثل "الفن الجديد" دعت إلى كسر القيود الأخلاقية تحت شعارات الإبداع والحرية الفردية، لم تكن تلك الدعوات جزءًا عابرًا من المشهد، فقد فتحت المجال لموجة ثقافية أوسع هزّت البنية الاجتماعية الراسخة، ثم امتدت هذه الموجة إلى الولايات المتحدة، حيث وجدت في السينما والموسيقى والإعلام أدوات لإعادة تشكيل الوعي العام، وتبنت خطابًا يمجد الرغبات الشخصية، ويدفع الحياء إلى الهامش، ويستبدل القيم بالإثارة بوصفها مقياسًا للنجاح والتأثير. هل كان الغرب على هذا النحو منذ البداية؟ الصور المؤرشفة من عشرينيات القرن العشرين ترسم مشهدًا مغايرًا؛ نساء بلباس محتشم في شوارع لندن ونيويورك، وحتى على الشواطئ، كانت الحشمة آنذاك جزءًا من ثقافة مجتمعية مستقرة، لم تُفرض بقانون ديني، ولم تُحتج لتذكير دائم أو حملات توعية، فقد كانت راسخة في السلوك العام ومتجذرة في الوعي الجمعي. مع تسارع التحولات الثقافية، بدأ التيار ذاته يتسلل إلى المجتمعات العربية، ففي عام 1923، عادت هدى شعراوي من مؤتمر نسوي عقد في روما، ورفعت غطاء وجهها أمام حشد من الناس في محطة القاهرة، ووصفتها بعض الصحف بـ"المتبرجة"، فيما جاءت ردود الفعل الشعبية حادة ومستنكرة، غير أن الخطوة التي أقدمت عليها، تبدو اليوم بسيطة إذا ما قورنت بما أصبح مألوفًا في الفضاء العام. بعد سنوات، تكرر المشهد في سياق رقمي جديد، حيث ظهرت امرأة عُمانية بوجه مكشوف على أحد تطبيقات التواصل، فجاءت التعليقات قاسية، خاصة من فئة من الرجال اعتبروا ظهورها خرقا لتعاليم للدين والعرف، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ سرعان ما برزت وجوه أخرى بمحتوى أشد جرأة، يعرضن الجسد بوضوح ويحولن التفاعل الجماهيري إلى وسيلة مباشرة لتحقيق الأرباح. ضمن هذا التحول، لم يعد الجسد مسألة خاصة أو شخصية، فقد تحول إلى سلعة رقمية متداولة، كل صورة تحمل قدرا أكبر من الإثارة تضاعف عدد المشاهدات، وكل مقطع جريء يفتح مسارات لتحقيق العوائد، وفي كتاب شبه حرب: تسليح وسائل التواصل الاجتماعي، يشير بي دبليو سينجر وإيمرسون تي بروكينغ إلى أن المنصات الرقمية تجاوزت كونها أدوات تواصل، وتحولت إلى ساحات حرب نفسية تستهدف العقول بسرعة تتجاوز أثر الرصاص، حيث يصمم المحتوى بهدف إثارة المتلقي، ويدفع الجمهور ثمن تلك الإثارة من وعيه ووقته وسلوكه اليومي. لم يعد المجتمع يستند إلى معيار أخلاقي ثابت، واتجه في أحكامه نحو منطق المقارنة المتدرجة، فالمواقف التي كانت مرفوضة بوضوح في الأمس توصف اليوم بأنها أقل حدة أو أقل ضررًا، ومع هذا التحول، بدأت بعض الأصوات الناقدة تتراجع، مدفوعة بالخوف من التصنيف المسبق أو الاتهام بالتخلف والتشدد. تجربة تطبيق "تيك توك" تعكس هذا الاضطراب بوضوح، فقد حظر في بعض الدول مثل الهند لفترة مؤقتة، بدعوى احتوائه على محتوى غير أخلاقي ومخاوف تتعلق بالخصوصية، ثم أُعيد فتحه لاحقا بعد مراجعات وتعديلات، أما في عُمان، فقد واجه المستخدمون قيودًا منعت الوصول إلى التطبيق إلا من خلال أدوات تجاوز الحجب، ثم أصبح متاحا من جديد دون إعلان أو توضيح رسمي، هذا التباين في القرارات يثير تساؤلات مشروعة حول الجهة التي ترسم حدود الاستخدام، ومن يحدد ما يعتبر مقبولا أو مرفوضا، كما يكشف عن حالة من الغموض في التعامل مع المحتوى الأخلاقي، وربما يعكس وجود ضوابط أو تفاهمات إدارية بين الجهات المعنية وإدارة التطبيق حول طبيعة المحتوى وحدود انتشاره. وسط هذا المشهد المتسارع، يبرز تساؤل حساس يتعلق بحدود التساهل في التعامل مع بعض أنماط المحتوى، ويُستدعى معه مصطلح “الدياثة” بما يحمله من حمولة شرعية واجتماعية ثقيلة، هل يُعد التغاضي عن محتوى فيه تبرج أو جرأة كافيًا لإلصاق هذا الوصف بشخص ما؟ الكلمة كثيرًا ما تُستخدم دون وعي بمعناها الدقيق، ففي أصلها الشرعي تشير إلى غياب الغيرة على المحارم، أو التساهل مع وقوع الفاحشة ضمن دائرة الأهل دون إنكار، ورغم أنها لا تُعد قذفًا بحد ذاتها، إلا أن إطلاقها على شخص بعينه، خاصة في سياقات التحقير أو الاتهام، قد يقترب من حدود القذف إذا خلا من بيّنة، واستخدامها دون تثبّت يعد تجاوزًا خطيرًا، يُقابل الفعل الذي يفترض رفضه، بموقف لا يقل ضررًا عنه. ورغم أهمية الانضباط في استخدام الألفاظ، يبقى الواقع أكثر إلحاحًا من الجدل اللغوي، فما نراه اليوم من تحوّلات سريعة في المحتوى والسلوك يشير إلى مسار لا يتوقف عند الحدود الحالية، وإذا استمرت هذه الموجة دون توجيه فكري أو أخلاقي واضح، فقد نشهد خلال سنوات قليلة مشاهد أشد انكشافًا تعرض دون حرج، وتجد تبريرها في شعارات مكررة عن حرية الفرد والتنوع، فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، فقد يتسلل بهدوء حتى يتحول المألوف إلى مقبول، ويأخذ المقبول مكان الثابت، ويعامل مع الزمن كأنه أمر لا يناقش . الخطر لا يقتصر على الصور الظاهرة، إنما يمتد إلى جيل ينشأ وهو يتلقى هذه الصور دون مقاومة أو توجيه واعٍ، ومن ستؤول إليهم مسؤولية الغد هم الذين يتشكل وعيهم اليوم وسط هذا التدفق المفتوح للمحتوى، والتربية لم تعد محصورة في الموعظة أو الإرشاد، فهي عملية مستمرة، تقوم على حضور الفعل، وثبات الموقف، ووضوح القدوة، أما التقنية، فهي أداة مفتوحة على الاحتمالات، يمكن أن تكون وسيلة بناء إذا وجهت بوعي، وقد تصبح أداة هدم إذا غابت النية الصادقة والرؤية الواضحة في استخدامها. الحديث عن التربية لا يكتمل دون التوقف عند علاقة الجيل الجديد بالمال، فالمطلوب لا يقتصر على تعليمه أساليب الادخار أو الإنفاق، بل يتعدى ذلك إلى فهم أعمق لأثر المال في تشكيل الرغبات وتوجيه السلوك، فالعالم الذي يواجهه هذا الجيل تحكمه لغة الأرقام وسرعة الإغراء، ويحتاج إلى من يرشده إلى أن المال وسيلة تستخدم، لا هدف يطارد ، وفي الكتاب ذاته، يحذّر المؤلفان من أن وسائل التواصل تحوّلت إلى سلاح جماهيري يستثمر في الغرائز لتحقيق أرباح هائلة، ومواجهة هذا الواقع تتطلب ما يتجاوز النصيحة العابرة، فهي بحاجة إلى بناء قدرة نقدية، وتدريب عملي على المهارات، وترسيخ قيم لا تهتز تحت ضغط السوق. إذا استمر الصمت، فلا عجب أن يتحول المحتوى الذي يثير الاستياء اليوم إلى مشهد مألوف في الغد، فالمشكلة لا تعالج بالمنع وحده، وإنما تتطلب بناء وعي جمعي قادر على التمييز، وتشكيل موقف مجتمعي ناضج يعيد توجيه البوصلة، الأمر يحتاج إلى خطوة حاسمة تستعيد التوازن بين الحرية والمسؤولية، وقراءة كتاب شبه حرب: تسليح وسائل التواصل الاجتماعي، لمؤلفيه بي دبليو سينجر وإيمرسون تي بروكينغ، قد تمثل بداية مناسبة، فهو يعرض الواقع كما هو، ويقدم أدوات فكرية لفهم ما يحدث والتعامل معه بوعي وبعد نظر. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شـــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- لماذا تتصدع العلاقات الزوجية؟ تأملات في عمق الأزمة
هذا المقال في الأساس كان ردا على مناشدة قرأتها في منشور على تطبيق X للمطالبة بإنشاء محكمة أسرة متخصصة، ومع كامل الإحترام للنوايا الحسنة: في دعاوى طلب التطليق التي يرفعها أحد الزوجين أمام القضاء، جرت فلفسة العدل على مسار متأنٍ يراعي قدسية الرابطة الزوجية وما يترتب عليها من تبعات إنسانية واجتماعية، ففي الجلسة الأولى، يمنح القاضي الطرفين مهلة تمتد شهر كاملا، تعد بمثابة فترة تأمل وتهيئة تتيح استشراف آفاق الوفاق وتمنح الزوجين فسحة لإعادة النظر في أمرهما بعيدًا عن وطأة الخصومة القضائية، ومع انقضاء هذه المهلة، تشرع المحكمة في استئناف نظر الدعوى، فتعرض من جديد مسالك الصلح، مستقصية أسباب الشقاق ومستمعةً إلى صوت الطرفين. هذا النهج يجسد حكمة عميقة، فالقصد ليس التعجيل بحسم النزاع، وإنما استنفاد جميع فرص الإصلاح حرصا على حماية كيان الأسرة، ذلك الصرح الرفيع، قبل اتخاذ أي قرار ينهي العلاقة الزوجية، ومن هنا تبرز فكرتك بوصفها رؤية تستشرف حاجة المجتمع إلى تطوير آليات التعامل مع الشؤون الأسرية. فكرة المقترح تبرز رؤية تستشرف حاجة المجتمع إلى تطوير آليات التعامل مع الشؤون الأسرية، لكن قبل النظر في جدواها، تأملوا حولكم: هل تنعم ظروف العلاقات الزوجية بالاستقرار؟ لماذا يعلو صوت الشكوى من معظم المتزوجين؟ ألا نلمح شكاوى متلاحقة، وتوتر لا ينقطع، أو صمت ممزوج بالاحتقان؟ طيب.. هل طبيعة العلاقة والحياة الزوجية أن تتشكل على هذه الصورة المضطربة؟ وعلى هذا الأساس، لا ينحصر النقاش في الخلافات التي تطرق أبواب المحاكم؛ فثمة أزمات كثيرة تظل صامتة، لكنها تعكس شرخا عميقا في صرح الأسرة، هذا المشهد إن لاحظتموه في محيطكم، يكشف أن التحدي لا يقتصر على نزاع ينتظر حكم قاضٍ؛ بل إنه يستدعي إعادة تأمل شاملة في أسس المنظومة الأسرية وروافدها. وكما هو معلوم لدى معظم الناس، الزواج رابطة إنسانية سامية تتغذى على ينابيع المودة والرحمة والتفاهم، بوصفه نسيج دقيق يتجاوز حسابات المادة والمنفعة العابرة، فإذا غلب عليه التوتر والشكوى، فهل هذا مصيره الطبيعي؟ وعندما تتسرب الخلافات إلى كيان الأسرة ، لا يعد التقاضي السبيل الأمثل لاستعادة توازنه؛ فالمطلوب فهم يغوص في الأعماق، وإصلاح يرتقي بالنفوس، ودعم يحتضن الروابط من حولها. ومن هذا المنظور، يصعب أن نسلم بأن محكمة الأسرة تكون العلاج الشافي لكل جرح زوجي، فبينما قد تتسع العلاقات التجارية للنزاع كجزء من طبيعتها الخاصة، تتأسس العلاقة الزوجية على دعائم السكينة والهدوء، وبالتالي فإن أي اهتزاز في أركانها لا يختزل في ملف قانوني؛ فهو أزمة إنسانية واجتماعية تتطلب تدخلا يمتد إلى أبعد من الأحكام. وعلى صعيد آخر لم تقتصر تجارب أمم ناجحة في تقليص وثائق الطلاق على صيغ قضائية؛ فقد استندت إلى تهيئة الأزواج قبل عقد الرابطةالمقدسة، وتنويرهم بمسؤولياتهم، وإمدادهم برؤية واقعية لما ينتظرهم في مسيرتهم الزوجية، وقد أثمرت هذه المبادرات نجاحا، لأن الشراكة تشتد عزائمها حين تبنى على أرضية من الوعي الراسخ، فهل يُعقل إذن أن تتحول الحياة الزوجية إلى ساحة صراع بدلا من واحة انسجام؟ كذلك، لا يمكن أن نغفل دور العوامل الاقتصادية في صون الأسرة. فالمجتمعات التي مدت يد العون للشباب في مستهل حياتهم —كتيسير الزواج عبر صناديق الدعم، وتوفير السكن ودعم المعيشة— لاحظت انحسارا واضحا في حالات الطلاق؛ إذ كثيرًا ما تشعل الضغوط المالية فتيل الخلافات بين الزوجين. ومن جانب آخر تتبوأ الثقافة المجتمعية مكانة محورية في تقوية أواصر الأسرة؛ فالمجتمعات التي تعلي من شأن الزواج، وتفتح أبواب الحوار، وتحافظ على مسالك الصلح، استطاعت أن تخفف من وطأة النزاعات، ليس بمجرد ضوابط قانونية؛ بل لأنها تزرع قيم التفاهم والاحترام في أعماق النسيج الاجتماعي، فإذا كانت الشكوى هي الطابع السائد، فهل نعيش اختلالا ثقافيا يستحق التفكير؟! ولهذا السبب قد تكون محكمة الأسرة خطوة محمودة ضمن منظومة إصلاحية، لكن استقرار الأسرة يستلزم رؤية أرحب تتضمن تهيئة الأزواج، وإثراء التثقيف الأسري، وتهيئة بيئة حياة متوازنة، وتطوير خدمات الإرشاد الأسري، وصياغة سياسات اجتماعية واقتصادية تحتفي باحتياجات الأسرة المعاصرة. وفي سياق مجتمعنا، ينبغي أن ننظر إلى المحكمة المتخصصة كعنصر ضمن شبكة حلول متكاملة، لا كملاذ وحيد، فما نحتاجه هو استراتيجية وطنية راسخة تنبع من إدراك دقيق لجذور التحديات، وتستقي من التجارب العالمية الناجحة ما يتناغم مع تعاليم الدين الإسلامي، وهويتنا الثقافية والاجتماعية، مع رفع راية استقرار الأسرة كأولوية عليا. وحينئذ يمكن أن نشهد مجتمعا أسريا ينبض بالتماسك، وأجيالا تنمو في أحضان بيئة راسخة تقوم على الوعي، والتكافؤ، والدعم المتبادل، لا على مجرد أحكام قضائية؛ فالحياة الزوجية جديرة بأن تكون منارة سلام واطمئنان، لا حلبة للنزاعات الدائمة. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شـــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- هل القاضي ملزم بتخيير الأبناء في الحضانة؟ وهل اختيارهم هو الفاصل؟
عند وقوع الفرقة بين الزوجين، وعند تصاعد الخلافات حول الحضانة أو الضم حتى وصولها إلى القضاء، تظهر مشكلة تتعلق بتصرفات بعض الآباء والأمهات التي قد تضر بمصلحة الأبناء؛ فمنهم من يستخدم التدليل المفرط، أو يقدم هدايا باهظة كالهواتف الذكية، أو يمنح حريات غير منضبطة، ومنهم من يحرض الأبناء ضد الطرف الآخر، أو يشوه صورته أمامهم، ظنًا أن ذلك سيؤمن اختيارهم له عند التخيير. وفي بعض الأحيان، يُظهر أحد الوالدين اهتمامًا مكثفًا خلال النزاع، ليس حبًا صادقًا، وإنما نكاية بالطرف الآخر للفوز بالحضانة، لكن هذا الاهتمام غالبًا يتلاشى بعد حسم الأمر، تاركًا الطفل دون متابعة حقيقية، منشغلاً بحياته الشخصية، مما يؤثر سلبًا على تنشئته. ورغم هذه السلوكيات، لا يتضمن القانون نصًا صريحًا يُلزم القاضي بتخيير الطفل - سواء ذكرًا أو أنثى - بين والديه؛ إذ يتمتع القاضي بسلطة تقديرية، ولا يُطالب قانونًا باستطلاع رأي الطفل أو التقيد به، مركزًا على تحقيق المصلحة الفضلى للمحضون كمعيار أساسي يحكم هذه القضايا. ورغم أن الأصل أن الحضانة للأم، وأن الطفل الذكر ينتقل إلى الأب عند إتمامه السابعة، لكن هذا الانتقال ليس حتميًا، بل يخضع لتقدير القاضي وفق المصلحة الفضلى؛ فقد يرى أن الأب غير مؤهل لبيئة مناسبة، أو أن ظروفًا خاصة تستدعي بقاء الطفل مع الأم، مما يجعل التطبيق مرنًا حسب كل حالة. كما استقر العمل القضائي على الاستئناس برأي المحضون أحيانًا، خاصة إذا بلغ سن التمييز، حيث يُفترض أن يكون قادرًا على إدراك محيطه والتعبير عن رغبته، دون أن يكون التخيير حقًا مطلقًا، وإنما أداة مساعدة يستخدمها القاضي ضمن تقديره، شريطة أن يكون الرأي نابعًا من إدراك سليم، بعيد عن الضغوط أو الإغراءات. أحكام المحكمة العليا أكدت هذا التوجه، مشيرة إلى أن القاضي يملك سلطة تقديرية تتيح له تخيير الطفل إذا كان مؤهلاً للتمييز، دون أن يكون ذلك واجبًا؛ كما تمنح مرونة النظام القضائي القاضي حرية النظر في كل حالة، مراعيًا عمر المحضون، بيئته، ونضجه الذهني، بدلاً من قاعدة صلبة شاملة. يتعامل القاضي مع التخيير بحذر، فهو غير ملزم باستشارة الطفل، لكنه قد يأخذ برأيه إذا كان في سن التمييز كعامل مساعد، لا كمحدد نهائي؛ ويظهر الفرق بين الرعاية والتنشئة؛ فالرعاية قد تقتصر على الاحتياجات المادية، بينما التنشئة تبني شخصية الطفل، وتُعده للحياة بأسس سليمة. وإذا تبين أن رغبة الطفل متأثرة بإغراءات كالهدايا، أو تحريض، أو عوامل غير صحيحة، يستبعدها القاضي، معتمدًا على ما يحقق المصلحة الفضلى كمحك أساسي، بعيدًا عن رغبات مشوهة أو مؤقتة. ويلاحظ القضاء أن بعض الوالدين يستغلون رغبة الأبناء عبر استمالتهم بوسائل غير مشروعة، كالهدايا، أو الحريات المفرطة، أو تشويه الطرف الآخر؛ وقد يظهر أحدهم اهتمامًا زائدًا أثناء النزاع للفوز بالحضانة، لكن هذا الاهتمام يتلاشى لاحقًا، تاركًا الطفل دون تنشئة كافية؛ لذا، يقيّم القاضي استقلالية رأي الطفل، فإذا تأثر بالإغراءات أو الضغوط، لا يُعتد به، ويصدر الحكم بناءً على تقييم شامل يضمن المصلحة الفضلى. ويظل القضاء راسخًا في التزامه بجعل المصلحة الفضلى للمحضون حجر الأساس في أحكام الحضانة، مستندًا إلى سلطة القاضي التقديرية في تقييم كل حالة وفق معطياتها، بعيدًا عن تأثيرات أو مناورات قد تعكر صفو التنشئة السليمة. قلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شــــــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- كرامة الطفل لا تساوم!
تشكل وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً واسعًا يعج بالمحتوى المتنوع، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن جانب مظلم يتمثل في استغلال الأطفال لتحقيق أغراض ترويجية أو ترفيهية. على سبيل المثال، يُجذب هؤلاء الصغار إلى لقطات تُصمم لزيادة التفاعل والمشاهدات، تحت ذرائع براقة كالنجومية أو المرح، دون اكتراث بالتبعات النفسية أو الاجتماعية التي قد تُصيبهم، وهو ما يستدعي تحركًا جادًا لحمايتهم من أضرار هذه السلوكيات. كذلك، تظهر خطورة هذه الممارسات في مقاطع تُنشر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُواجه الأطفال مواقف مرعبة أو محرجة، أو يُعرضون بطريقة تُهدر كرامتهم، بدعوى الإثارة أو الدعابة. من الأمثلة على ذلك، قيام أحدهم بمحاولة وضع رأس طفله داخل غسالة ملابس كجزء من مقطع ترفيهي، في مشهد قد يبدو للبعض مزاحًا، إلا أن المشرع لا يفرق بين المزاح والجد حين يتعلق الأمر بسلامة الطفل؛ فالدولة تتحمل مسؤولية حمايته قبل حتى ولي أمره، ولا يُسمح بهذا النوع من التصرفات بأي حال، فالأمر لا يقتصر على سلامة الطفل وحده، وإنما يشمل كذلك أثر ما يُعرض على المجتمع، باعتبار أن القانون وُضع لحماية الطفل والبيئة الاجتماعية المحيطة به. وفي مشهد آخر من مشاهد الاستغلال المقنَّع، تُقام مسابقات ظاهرها البراءة، يُغرى فيها الأطفال بجوائز تبدو ثمينة، بينما تخفي خلف واجهتها المتقنة واقعًا مختلفًا؛ إذ تكون الجوائز الحقيقية زهيدة، لا تكاد تُقارن بما يُعرض للمشاهد من وعود براقة. وحتى إن كان الطفل على دراية مسبقة بهذه التفاصيل، فإن ما يُزرع في داخله لا يقل خطورة: مفاهيم ملتبسة عن الصدق، وتطبيع غير واعٍ مع الخداع، في مرحلة يُفترض أن تُغذّى فيها روحه بقيم النقاء والنزاهة. يبدو أن بعض مشاهير التواصل الاجتماعي قد أدركوا أن المقاطع التي يظهر فيها الأطفال تحصد تفاعلًا مرتفعًا، نظرًا لعفويتهم الفطرية في زمن طغى عليه التصنع. غير أن هذا الإدراك لم يُستثمر دائمًا في الاتجاه الصحيح؛ فقد استغله البعض بطرق تفتقر إلى المسؤولية، فوجهوا الأطفال إلى تصرفات غير لائقة، أو استخدموهم وسيلة لجذب الانتباه، دون اكتراث بالأثر النفسي أو الأخلاقي الذي قد يتركه ذلك في نفوسهم. كما تعمد بعض الأمهات، بعد وقوع الفرقة بين الزوجين، إلى تصوير أطفالهن في أوضاع تبعث على الشفقة أو الإحراج، كأن يظهر الطفل بملابس بالية أو في حالة بكاء، أو يُلمح من خلال المقطع إلى أنه يُربى بعيدًا عن والده. هذه التصرفات قد تحمل رسائل غير مباشرة تُوجه إلى الأب، توحي بأن الطفل يعيش في بيئة تختلف عن تلك التي كان سيحظى بها معه، وتُظهر أفرادًا من عائلة الأم وكأنهم البديل في التربية. هذا الاستغلال لموقع الحضانة يخل بمصلحة الطفل، ويكشف عن جانب مظلم من الممارسات التي تختلط فيها مشاعر الانتقام برغبة إثبات السيطرة. بتأمل قانون الطفل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 22/2014، يظهر بوضوح مدى تشدد المشرع العماني في حماية الطفل من أي انتهاك. لم يكتف القانون بوضع مبادئ عامة، بل أسس منظومة متكاملة تستجيب سريعًا لأي تهديد، فكل تعدٍ على الطفل يُعد جريمة تمس النظام العام، ويكفي فيها الإبلاغ دون الحاجة إلى موافقة ولي الأمر. عرف القانون الطفل في المادة (1) بأنه “كل من لم يبلغ الثامنة عشرة ميلاديًا”، ومن هذا التعريف تنطلق الحماية القانونية، فتُبسط مظلتها على كل المراحل العمرية للطفولة. كما نصت المادة (2/ج) على أن “مصلحة الطفل الفضلى تُعد أولوية في كل إجراء أو قرار”، سواء من الجهات الإدارية أو القضائية أو الرعائية، مما يُلزم الجميع بتقديم هذه المصلحة على أي اعتبار آخر. وجاءت المادة (7) لتؤكد حق الطفل في الحماية من العنف والاستغلال والإساءة، وفي معاملة تحفظ له كرامته وشرفه. وقد أُسند إلى الدولة واجب تحقيق هذا الحق بكل الوسائل الممكنة، مما يُحتم التدخل السريع والفاعل. المادة (56) حرّمت صراحة كل الأفعال التي تُعرض الطفل للخطر، سواء كانت مادية أو نفسية، وأدرجت تحت ذلك الخطف، والبيع، والاعتداء الجنسي، والاتجار، والتصوير غير الأخلاقي، ونقله عبر الحدود، ومظاهر العنف. ولتفعيل هذا الإطار، أمر القانون بتشكيل “لجان حماية الطفل” بموجب المادة (60)، ومنحها صفة الضبطية القضائية، لتتمكن من التحرك فور العلم بأي حالة، دون تأخير. كما قررت المادة (62) أن الإبلاغ عن أي انتهاك حق مشروع لكل شخص، مع ضمان عدم كشف هوية المبلغ. وألزمت المادة (63) فئات مهنية كالأطباء والمعلمين وغيرهم ممن تصلهم معلومات بحكم عملهم بالإبلاغ الفوري، مما يُكرس مبدأ المسؤولية المشتركة. وفي الحالات التي يثبت فيها تعرض الطفل للإساءة، أجازت المادة (64) للادعاء العام إصدار قرار بإيداعه “دار الرعاية المؤقتة” بناءً على توصية من مندوب حماية الطفل، لضمان سلامته وتأهيله حتى زوال الخطر. ولتأكيد هذا الحزم، جاءت المادة (72) لتقرر عقوبات صارمة بحق من يرتكب الأفعال المحظورة، حيث يُعاقب بالسجن من خمس إلى خمس عشرة سنة، وبغرامة تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف ريال عماني، مما يُظهر أن الدولة لا تتهاون في حماية الطفولة. هذا النظام التشريعي لا يقتصر على تعداد المحظورات، فهو يحث الدولة بكل مؤسساتها على أن تنهض بدورها في حماية الطفولة، ويجعل من رعاية الصغار مسؤولية وطنية تتجاوز حدود الأسرة؛ فحين صاغ المشرّع هذا القانون، كان يرى في الطفولة لبنة تُقام عليها دعائم الأوطان، وحمايتها واجب يتقدّم على سائر اعتبارات الحاضر وتحديات المستقبل. قلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شــــــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- التحول الرقمي في النظام القضائي العماني: رؤية واعدة بحاجة إلى تخطيط أعمق
يستحق المجلس الأعلى للقضاء التقدير على جهوده في تطوير النظام الإلكتروني للقضاء؛ فهي خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز كفاءة الخدمات وتيسير إجراءات التقاضي، بينما تتماشى مع رؤية عمان 2040 التي تجعل الرقمنة أساسًا لتطوير القطاعات، مما يعكس طموحًا يستحق الدعم، لكن رحلة الانتقال من “بوابة المتقاضين” إلى النظام الجديد كشفت عن تحديات تتطلب تقييمًا دقيقًا لتحقيق الأهداف بنجاح. ومن أبرز مزايا النظام الإلكتروني ربط الوكالات الصادرة عن الكتاب العدل بالتسجيل الرقمي، حيث تقضي هذه الآلية الحديثة على التزوير وتضمن الدقة القانونية، مما حاز على استحسان المستخدمين، كما يتيح النظام واجهة موحدة تمكن المحامين من متابعة الدعاوى والوكالات والإجراءات ومواعيد الجلسات والسداد بسهولة، في حين يعزز الشفافية بسد الثغرات التي استُغلت سابقًا للمخالفات، ويدعم التقاضي عن بُعد مما يقلل الحاجة للتوسع في المباني إذا اعتمد النظام الإلكتروني بكفاءة، بينما يسهل الربط بين القضاء والمؤسسات الحكومية عبر تبادل البيانات رقميًا، كما يساعد معاوني القضاء من المحامين والخبراء بتوفير أدوات إلكترونية تسرّع إجراءاتهم. وعلى صعيد التنفيذ تزامن إطلاق النظام مع مارس، وهي ذروة النشاط القضائي، مما أدى إلى اضطرابات كان يمكن تفاديها لو اختيرت فترة العطلة القضائية للتجربة والتهيئة، لذا أثر هذا التوقيت على المحامين الذين واجهوا صعوبات في متابعة قضاياهم، بينما افتقد المتقاضون وضوح الإجراءات، في حين لم يتلقَ موظفو المحاكم تدريبًا كافيًا، مما تسبب في فوات مواعيد مهمة، ولجأ الكثيرون لزيارة المحاكم شخصيًا للتسجيل في تناقض مع هدف التيسير، كما أشار موظفون إلى أعطال تقنية تبرز الحاجة إلى استقرار النظام، ومع تزايد الضغط ارتفعت تكاليف الخدمات في مكاتب سند التي باتت تمارس بعض أعمال المحاماة بمبالغ كانت رمزية في السابق. ويثير هذا الواقع تساؤلات حول الإعداد، فهل تلقى الموظفون تدريبًا كافيًا، ولماذا لم يُعتمد نهج تدريجي كتجربة النظام في محكمة مثل استئناف نزوى أولًا، حيث يبدو أن القائمين على فرض النظام بشكل مفاجئ كانوا متأكدين من نجاحه رغم تكرار الأخطاء مرات ومرات في تجربة “بوابة المتقاضين” التي واجهت صعوبات تقنية، مما يجعل الإطلاق المتسرع دليلًا على افتقار التخطيط المحكم، بينما كان يجب استلهام دروس من التجارب السابقة لتجنب التأخير والأعطال. ورغم هذه العقبات يبقى النظام الجديد واعدًا بتحسينات كبيرة مقارنة بسابقه، شريطة معالجة الإشكالات الأولية، فمثلًا تُعد مشكلة الوكالات القديمة السارية التي لم تُدمج بعد تحديًا بسيطًا يمكن حله بتحديث قاعدة البيانات؛ لذا يتطلب النجاح خطة واضحة لنقل الملفات وتأهيل الكوادر بشكل شامل، فإن رؤية عمان 2040 تؤكد على التخطيط الرصين والتنفيذ التدريجي لتكون التكنولوجيا رافعة لا عائقًا، ويُوصى بتقييم هذه التجربة بعناية مع تعزيز الاستقرار التقني قبل التعميم لضمان نظام قضائي رقمي يخدم العدالة والمجتمع بكفاءة، فتمثل هذه الخطوة أساسًا لتحول رقمي ناضج يمتد إلى جميع قطاعات الدولة. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شــــــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- إلزام الشاكي بالحضور الشخصي في مرحلة جمع الاستدلالات بين الممارسة العملية ومقتضيات التشريع
يُعدّ الادعاء العام الجهة المختصة بمباشرة الدعوى العمومية وتحريكها وفقًا لما تقضي به القوانين، غير أن المشرع، بموجب المادة (5) من قانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 97/99، اشترط في بعض الجرائم عدم تحريك الدعوى إلا بناءً على شكوى من المجني عليه أو وكيله الخاص، حيث نصت المادة على أنه “لا تُرفع الدعوى العمومية إلا بناءً على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص في الجرائم التي يشترط فيها القانون ذلك.” ورغم عدم وجود نص قانوني صريح يُلزم الشاكي بالحضور الشخصي، إلا أن الواقع العملي يعكس ممارسة تفرض عليه ذلك في بعض الحالات، حتى مع وجود توكيل لمحامٍ، سواء عند تقديم الشكوى أو البلاغ، مما يثير تساؤلات حول مدى توافق هذه الممارسة مع المبادئ القانونية المنظمة لإجراءات التقاضي. إلزام الشاكي بالحضور الشخصي خلال مرحلة جمع الاستدلالات، دون الاكتفاء بتمثيله من قبل محامٍ، قد يؤدي إلى تعطيل سير الإجراءات وإرهاق أصحاب الحقوق، وقد يتسبب أيضًا في عزوف بعض المتضررين عن تقديم الشكاوى خشية التعقيدات الإجرائية واللوجستية التي تفرض عليهم رغم توكيلهم لمحامٍ. هذا الإلزام قد لا يكون ضروريًا في جميع الحالات، لا سيما عند وجود شكاوى ذات طبيعة مستندية، حيث يمكن الاعتماد على الوثائق والأدلة المقدمة دون الحاجة إلى حضور الشاكي شخصيًا. في هذا الإطار، أتفق مع الرأي القائل بضرورة إعادة النظر في هذه الممارسة، إلا أنني أود الإشارة إلى ملاحظة قد تكون ذات أهمية : الحديث عن حصرية الحالات التي تتطلب الحضور الشخصي للشاكي يستوجب تحديد معيار واضح؛ فلا يمكن الإحاطة بجميع الحالات، وإنما يتم اعتماد الضابط وفق معايير محددة، بحيث يتم ذكر بعض الحالات على سبيل المثال لا الحصر، ويُقاس عليها في الحالات المشابهة. أما الإشكال الحقيقي فلا يقتصر فقط على مدى جواز وجود إلزام بالحضور، وإنما يشمل أيضًا فرضه على المجني عليه شخصيًا دون السماح بتمثيله بواسطة محامٍ أو وكيل، مما يتعارض مع مبدأ التيسير الإجرائي وحماية الحقوق. بناءً على ذلك، ينبغي أن يتجه التشريع إلى عدم إلزام الشاكي بالحضور الشخصي إلا في حالات محددة، مثل الشكاوى ذات الطابع المستندي التي لا تستوجب وجوده الفعلي، حيث يمكن البت فيها استنادًا إلى الأدلة المقدمة. إضافة إلى ذلك، فإن منع المحامي من حضور جلسة سماع أقوال موكله يُعدّ إشكالية أخرى ترتبط بضمانات الدفاع والعدالة الإجرائية، ولا يشكل وجوده أي عائق أمام سير التحقيق؛ إذ يسهم في تحقيق العدالة وضمان سلامة الإجراءات من خلال تقديم عرض واضح للواقعة. ومن الناحية القانونية، فإن منع المحامي من الحضور قد يتعارض مع نص المادة (37) من قانون المحاماة، فضلًا عن أن النظام الأساسي للدولة في المادة (88) قد أقرّ الضمانات والحماية للمحامي أثناء ممارسة دوره أمام جهات التحقيق والاستدلال، وهو ما يعزز ضرورة تمكينه من الحضور في هذه المراحل؛ ولأن هذا الموضوع يثير العديد من الإشكالات القانونية والإجرائية، فإنه يستحق طرحه بشكل مستقل في مقال منفصل، خصوصًا فيما يتعلق بمنع المحامي من الحضور أثناء جمع الاستدلالات (أمام الشرطة). هذه الممارسة تستند إلى اجتهاد إجرائي أكثر من كونها قائمة على نص قانوني محدد، وإذا كان القانون قد أجاز تقديم الشكوى بواسطة وكيل، فإن منع الوكيل أو المحامي من قيد الشكوى ومتابعة الإجراءات الأولية دون فرض إلزام حضور الشاكي شخصيا، قد يمثل تناقضا لا يتماشى مع الأسس القانونية لحماية الحقوق، يضاف إلى ذلك أن فرض الحضور الشخصي للشاكي في جميع الحالات لا يستند إلى مبررات تشريعية واضحة، وقد يؤدي إلى تعارضه مع مبدأ التيسير على المتقاضين، الذي يسمح بالتمثيل القانوني في مختلف مراحل التقاضي، بما في ذلك مرحلة جمع الاستدلالات. ومن الناحية العملية، قد يسهم هذا الإجراء في إطالة أمد الإجراءات وتعقيد المسار القانوني دون داعٍ. في ضوء ما سبق، فإن إعادة النظر في هذه الممارسة من قبل الجهات التشريعية والتنفيذية المختصة باتت ضرورة، سواء من خلال إصدار توجيهات واضحة تؤكد التوازن بين متطلبات التحقيق وضمانات الشاكي، أو من خلال تعزيز التطبيق الصحيح للنصوص القانونية القائمة، التي لا تشترط حضور الشاكي شخصيًا ولا تمنع قيد الشكوى أو السير فيها في حال عدم حضوره. إلى جانب ذلك، فإن تمكين المحامي من حضور جلسة سماع أقوال موكله يسهم في تحسين كفاءة الإجراءات وضمان تحقيق العدالة دون أن يؤثر سلبًا على سير التحقيقات، حيث يوفر ضمانة إضافية لسلامتها؛ فوجود المحامي لا يشكل عائقًا للإجراءات، وإنما يعزز من احترام الأطر القانونية السليمة أثناء التحقيق. ولضمان وضوح هذه المسألة، يُقترح وضع ضوابط تحدد الحالات التي قد تستلزم الحضور الشخصي للشاكي، مع التأكيد على حقه في التمثيل القانوني، والسماح بحضور المحامي مع موكله أثناء جلسات سماع الأقوال في مرحلة جمع الاستدلالات، إلا إذا استدعت الضرورة غير ذلك، كما يمكن تعزيز آليات التحقق من صحة الشكاوى عبر وسائل تقنية وإجرائية حديثة، دون الحاجة إلى فرض الحضور الشخصي على المجني عليه في جميع الحالات. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شــــــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- في إرساء دعائم الاستثمار وضبط المعاملات وحفظ الحقوق
في الشهر الماضي، أقدم أحد الأفراد على توقيع عقد إيجار مع أحد المستثمرين المعروفين، حيث قام باستئجار فيلا داخل مجمع سكني، مستعينا بالشيكات وسجل تجاري، ولم يلبث أن ارتجع أول شيك لعدم كفاية الرصيد ، وعند البحث والتقصي، تبين أن المذكور صاحب سجل مزدحم بالشكاوى، ومطلوب القبض عليه في قضايا مشابهة. لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد عمد إلى تأجير العقار من الباطن بنصف القيمة، مستغلا حاجة أحد رعايا سفارة دولة عظمى إلى سكن، مما أفضى إلى نزاع قانوني مع السفارة التي دفعت للمحتال مبلغا مقدرا عن عشرة أشهر مقدما، دون أن تكون على بيّنة بحقيقته. هذه الحادثة تسلط الضوء على حاجة السوق العماني إلى مزيد من التنظيم والمتابعة لضمان حماية المستثمرين بمختلف فئاتهم، سواء كانوا في القطاع العقاري أو التجاري أو الصناعي؛ فلقد بذلت السلطنة جهودا كبيرة في إرساء القوانين والتشريعات التي تنظم الاستثمار، وتحفظ حقوق المتعاملين، وأرست أنظم تتكامل بين وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني، والهيئات القضائية المختصة، لضمان ضبط السوق وإيجاد بيئة موثوقة للمستثمرين، ورغم ذلك ، تظل هناك تحديات تستوجب استحداث أدوات أكثر إحكاما لمنع التحايل وضبط المعاملات قبل أن تصل إلى ساحات التقاضي. في هذا الإطار، جاء إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة كخطوة تواكب متطلبات السوق، وتضمن البت السريع في النزاعات التجارية والاستثمارية، مما يعزز ثقة المستثمرين، سواء كانوا أصحاب مشاريع صغيرة أو رؤوس أموال ضخمة، غير أن تعزيز البيئة الاستثمارية لا يقف عند حد الفصل في القضايا فحسب، وإنما يتطلب إيجاد جهة إشرافية متخصصة تراقب التعاقدات الاستثمارية قبل تسجيلها بشكل رسمي ، وتتولى التدقيق في الخلفيات المالية والقانونية للأطراف المتعاقدة، وتضبط إجراءات السمسرة والوساطة التجارية، حتى لا يكون السوق عرضة للممارسات غير المشروعة التي تضر بثقة المستثمرين وتقوض استقرار التعاملات. هذه الجهة ينبغي أن تكون مستقلة عن المحكمة، لكنها على صلة وثيقة بها، بحيث تعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة الأخرى لضمان سلامة السوق، ويمكن أن تتبع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، أو تكون هيئة مستقلة تعمل بموجب تشريع خاص يحدد اختصاصاتها وآليات عملها؛ فمن الأهمية بمكان أن يكون لها دور رقابي وقائي، يسبق النزاع، وليس دورا قضائيا يأتي بعد وقوع الضرر. الاستثمار لا يقوم إلا على أسس متينة من النزاهة والشفافية، ولا يمكن أن تُبنى الأسواق على افتراض حسن النية وحده؛ فلقد تطورت التجارة عبر العصور، وكان العمانيون من أوائل الشعوب التي سطرت أصول التعاملات التجارية وفق ضوابط دقيقة، مراعية للمصالح، جاعلة العدل والإنصاف ميزانا يُحتكم إليه، واليوم مع توسع السوق وازدياد تعقيد المعاملات، أصبح من الضروري أن يكون هناك نظام متكامل يشرف على العقود الاستثمارية، ويحد من المخاطر التي قد تهدد المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء. إن وجود جهة رقابية تُعنى بتنظيم الاستثمارات ومراقبة العقود التجارية والعقارية، سيعزز مؤشر سهولة ممارسة الأعمال في السلطنة، ويمنح السوق مزيدا من الجاذبية للاستثمارات الأجنبية، ويحد من النزاعات القانونية التي قد تؤثر على سمعة السوق واستقراره، كما أنه سيمنح المستثمرين، سواء كانوا في قطاع العقارات أو التجارة أو الصناعة أو الخدمات، أمانا قانونيا يطمئنهم بأن تعاملاتهم تتم وفق ضوابط واضحة، لا ثغرات فيها ولا مجال لاستغلالها. في عالم الاقتصاد، السوق المستقر هو السوق الجاذب، والاستثمار لا يزدهر في بيئة تتسم بالغموض أو ضعف الرقابة، بحيث تتكامل الجهود بين القضاء المتخصص، والتنظيم الإداري، والتشريعات التي تتلاءم مع تطورات السوق، وهو السبيل الأمثل لضمان بيئة استثمارية قوية ومستدامة، تمنح المستثمرين الثقة، وتحميهم من أي ممارسات قد تهدد مصالحهم، وتدفع بعجلة التنمية الاقتصادية إلى آفاق أوسع وأرسخ. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شــــــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- في قضية حادث السير.. هل كان بإمكان الادعاء العام المطالبة بعقوبة أشد؟
الحوادث المرورية التي ينجم عنها وفيات أو إصابات جسيمة تستوجب بحثا قانونيا دقيقا، نظرا لما تطرحه من تساؤلات حول مدى كفاية العقوبات المقررة ومدى تحقيقها للردع المطلوب؛ فالمبدأ الذي تقوم عليه العدالة الجنائية في مثل هذه القضايا هو تحقيق التوازن بين التشديد الكافي لردع السلوك المتهور، وضمان عدم المغالاة في العقوبة بما يخرجها عن مقاصدها القانونية. وقد نص قانون المرور في المادة (50) على عقوبة السجن والغرامة لكل من ساق مركبة بطريقة تشكل خطورة على حياة الأشخاص أو أموالهم، أو تعمد تجاوز الأماكن الممنوعة، أو ارتكب أفعالًا تعرض مستخدمي الطريق للخطر، كما شددت المادة (50 مكرر) العقوبات إذا وقع الفعل تحت تأثير المخدرات أو الكحول، حيث قررت السجن لمدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة، وغرامة لا تقل عن 400 ريال عماني ولا تزيد على 800 ريال عماني، مع مضاعفة العقوبة إذا نجم عن ذلك إصابات أو وفيات. أما فيما يتعلق بالسياقة بعكس اتجاه السير في طريق مفصول الاتجاهات، فقد تناولته المادة (49) من القانون ذاته، حيث نصت على عقوبات تصل إلى السجن لثلاثة أشهر وغرامة تصل إلى 500 ريال عماني، وهي عقوبة قد تبدو غير متناسبة مع حجم المخاطر التي قد يسببها هذا الفعل، لا سيما عندما يكون هناك تعمد واضح من السائق للسير في الاتجاه المعاكس، مما يجعل احتمال وقوع الحوادث مرتفعا جدا. في الحكم الصادر بحق السائق الذي قاد مركبته بعكس الاتجاه بسرعة عالية، مما أدى إلى وفاة أربعة أشخاص، تم تطبيق أقصى ما يتيحه القانون من عقوبات وفق المادة (50 مكرر)، والتي نصت على السجن لمدة لا تقل عن ستة أشهر، ولا تزيد على سنتين، مع الغرامة وسحب الرخصة والإبعاد في حالة كان الجاني غير عماني. وقد رأى البعض أن العقوبة غير متناسبة مع فداحة النتيجة التي ترتبت على الحادث، لكن من الناحية القانونية، فإن الادعاء العام قد طالب بأقصى عقوبة يسمح بها القانون حاليًا، مما يجعل المسألة ليست في مدى تشدد الادعاء العام، وإنما في مدى كفاية النصوص القانونية ذاتها. يفرق القانون بين القتل العمد، الذي يتطلب قصدا جنائيا واضحا لإزهاق الروح، وبين الحوادث المرورية التي تقع بسبب الإهمال أو التهور، ورغم أن الإهمال الجسيم لا يرقى إلى القصد الجنائي المباشر، إلا أن بعض الأفعال، مثل السياقة بعكس الاتجاه أو تحت تأثير الكحول، تعد من صور التهور الشديد الذي يستدعي مراجعة الإطار القانوني للعقوبة، بحيث يكون هناك تصنيف أدق للحالات التي يكون فيها الإهمال الجسيم مساويًا للنية الإجرامية في خطورته. تُطرح مقارنة في بعض الأوساط بين هذه القضية وقضية الشاب الأمريكي كاميرون هيرين، الذي صدر بحقه حكم بالسجن 24 سنة إثر حادث دهس وقع أثناء سباق غير قانوني، حيث يرى البعض أن التشريعات في بعض الدول تميل إلى تغليظ العقوبات في مثل هذه الحالات، بينما المشرع العماني يراعي التوازن بين الردع وتحقيق العدالة، بحيث لا يُفرَض على المتهم عقوبة تتجاوز حدود الفعل المرتكب، ولا تكون العقوبة مخففة إلى حد يجعلها غير كافية لردع المخالفين. ومن القضايا التي تثير جدلا قانونيا وأمنيا مسألة استغلال الحوادث المرورية كوسيلة متعمدة للقتل، حيث قد يبدو الحادث في ظاهره ناتجًا عن تهور أو خطأ غير مقصود، لكنه في بعض الحالات يكون مدبرا لتحقيق أهداف إجرامية، مثل القتل العمد أو الانتقام، وفي مثل هذه الحالات، تباشر السلطات الأمنية والجهات القضائية تحقيقات موسعة لكشف ملابسات الحادث، والتحقق مما إذا كان عرضيا أم جريمة مخططة بعناية. تلعب السلطات المختصة، ممثلة في الأجهزة الأمنية والادعاء العام، دورا محوريا في التصدي لمثل هذه الجرائم، حيث لا تقتصر التحقيقات على الإجراءات التقليدية، وإنما تشمل تحليلا تفصيليا ودقيقا لكافة العناصر المتعلقة بالحادث، بحيث يتم فحص مسار المركبة، وسرعة السائق، وأي مؤشرات تدل على التخطيط المسبق، خصوصا إذا كان الحادث يستهدف شخصا بعينه أو وقع في ظروف مشبوهة توحي بوجود نية إجرامية. وتتولى السلطات التحقيق في الحادث تحت إشراف الادعاء العام، حيث يتم استجواب الجاني، والاستماع إلى أقوال أهل الضحية والشهود، وتحليل مسرح الحادث بشكل شامل، كما يجري فحص المركبة بدقة لمعرفة السرعة التي كان يسير بها السائق، وما إذا كان تحت تأثير المخدرات أو الكحول، أو إذا كانت هناك أي أدلة تقنية تدعم فرضية التخطيط المسبق، مثل التلاعب في أنظمة المركبة أو تعمد الاصطدام بطريقة معينة. وفي حال وجود أي شبهة جنائية، توسع السلطات نطاق التحقيق ليشمل دائرة أوسع من المشتبه بهم، سواء من لهم علاقة مباشرة بالحادث أو من قد يكون لهم دافع في ارتكابه، و يهدف هذا النهج إلى الحيلولة دون تمرير أي حادث متعمد على أنه مجرد خطأ مروري، مما يمنع استغلال الطرق كوسيلة للقتل العمد أو تصفية الحسابات. القوانين ليست ثابتة وتتطور وفق الحاجة، وعند ازدياد مثل هذه الحوادث، قد يكون هناك مجال لمراجعة العقوبات وتغليظها في الحالات التي تكون فيها المخالفة بالغة الخطورة، مثل القيادة تحت تأثير المخدرات أو القيادة بعكس الاتجاه، لا سيّما إذا ترتب على ذلك وفيات متعددة، وأما العقوبة التي صدرت في هذه القضية جاءت وفق أقصى ما يحدده القانون حاليًا، مما يؤكد أن الادعاء العام لم يتهاون في تطبيق الإجراءات القانونية، وقد قام بعمله على اكمل وجه، لكن تشديد العقوبات تظل مسألة تشريعية يختص بها المشرّع، وفق ما تستدعيه المصلحة العامة. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شــــــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net












