ابحث في هذا الموقع
تم العثور على 22 نتيجة مع بحث فارغ
- مسائل الأحوال الشخصية بين الحقوق والنزاعات لا كاسب ولا خاسر
كثيرًا ما يُقال إن الدعاوى الشرعية من أسهل الدعاوى، ويمكن لأي محامٍ أن يخوض غمارها دون عناء، وكأنها باب رزق مفتوح دون اشتراطات أو تعقيدات، غير أن هذا الرأي بعيد عن الصواب؛ فهذه الدعاوى من أكثر المسائل تعقيدًا وتأثيرًا على الأفراد والأسر والمجتمع بأسره. الدعوى الشرعية لا تبدأ عند رفعها، ولا تنتهي عند صدور الحكم أو تنفيذه؛ إذ تمتد آثارها منذ لحظة انعقاد العقد، مرورًا بمرحلة الخلاف، وانتهاءً بما يترتب عليها من حقوق والتزامات تستمر لسنوات، وحين يكون القضاء هو الفيصل بين زوجين كانا بالأمس يتقاسمان الحياة، تتحول الخصومة إلى أمر بالغ الحساسية، يمس النفوس قبل أن يمس الأوراق، وليس كل من تصدى لهذه القضايا قادرًا على فهم أبعادها؛ فالمحامي لا يكفي أن يكون ملما بالنصوص القانونية المجردة، وإنما يحتاج إلى دراية بالأحكام الشرعية أيضا، ومعرفة بعضا من جوانب علم النفس وعلم الاجتماع، إضافة إلى إدراك الأعراف والتقاليد التي تحكم المجتمع؛ فالطلاق ليس مجرد إجراء قانوني بقدر ما هو تغيير جذري في حياة الأفراد، وهو ما يجعل هذه الجوانب ضرورية في فهم القضية ومعالجتها بطريقة متزنة، فعلى سبيل المثال فهم الأحكام الشرعية يتيح للمحامي فهم الطلاق الرجعي بحيث يكون للزوج مراجعة زوجته خلال العدة دون الحاجة إلى عقد جديد، أما الطلاق البائن بينونة صغرى فلا تحل فيه الزوجة إلا بعقد ومهر جديدين، والطلاق البائن بينونة كبرى لا تحل فيه إلا بعد زواج صحيح بآخر. قال الله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ" (البقرة: 229). كما أن معرفة الحقوق الشرعية للمطلقة من نفقة العدة، وحق المتعة، ونفقة الصغار ، وحق المحضون في الحضانة أو الاستصحاب أو الزيارة وفق ما تقتضيه مصلحتها، هي أمور لا يمكن إغفالها؛ إذ إن التوجيه الصحيح في هذه المسائل يساعد على تقليل النزاعات وتجنب تصعيد الخلافات. قبل رفع الدعوى، وتحديدا في لحظة المشورة، غالبا ما يكون الطرفان في حالة من التوتر والانفعال العاطفي، مما قد يدفع إلى قرارات غير مدروسة تؤدي إلى تعقيد الخلاف أكثر مما تحلها، وهنا تأتي أهمية فهم الحالة النفسية والاجتماعية للموكل، حيث إن بعض النزاعات تكون ناتجة عن سوء تفاهم أو احتقان عاطفي مؤقت يمكن تجاوزه دون اللجوء إلى القضاء، وفي هذه المرحلة، يمكن تقديم المشورة التي تساعد في تهدئة النزاع أو إيجاد حلول ودية تحقق المصلحة للطرفين، أما حين تصبح الدعوى أمرًا لا مفر منه، فإن المعرفة القانونية الدقيقة تصبح الأساس الذي يُبنى عليه كل إجراء، بدءًا من طلب الحقوق وانتهاءً بتنفيذ الحكم. القانون يحدد آلية التقاضي وينظم الحقوق والواجبات، ومن الضروري أن يكون المحامي على دراية بالإجراءات المتعلقة بالتطليق، أو الخلع، وما يتبعهما من آثار، وآلية التعامل مع الممتلكات المشتركة في كيفية تقسيمها، وما هي الدائرة المختصة في المحكمة، حتى يتمكن من تقديم الاستشارات التي تحمي حقوق موكله ضمن الأطر القانونية، وأما الأعراف والتقاليد تلعب دورًا في تشكيل طبيعة النزاعات الأسرية وطريقة التعامل معها؛ فبعض المجتمعات تحرص على حل الخلافات الزوجية عبر الوساطة العائلية قبل اللجوء إلى المحاكم، بينما في حالات أخرى يكون القضاء هو الخيار الأول، وعند إدراك هذه العوامل يساعد في توجيه القضية نحو المسار الذي يحقق أقل ضرر ممكن للطرفين. التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية لا يقتصر على طلب الحقوق، فهو يشمل أيضا الحفاظ على الاستقرار الأسري حتى في حال الانفصال؛ لأن العلاقة بين المطلقين تحتاج إلى إدارة حكيمة تحول دون تحولها إلى صراع دائم، مع ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من الاحترام والتفاهم، خاصة إذا كان هناك أبناء، فهم الأكثر تأثرًا بهذه النزاعات. قال الله تعالى: "وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ" (النساء: 130)، الانفصال قد يكون مصلحة للطرفين، مما يستدعي التعامل معه بحكمة حتى لا يتحول إلى مدخل للعداوة المستمرة. القانون قد يمنح كل ذي حق حقه، لكن الواقع الاجتماعي والنفسي قد يجعله عبئًا ثقيلاً، لا سيما حين يكون الطلاق بداية لمشاكل جديدة مثل النفقة، والحضانة، والاستصحاب، وتغير الأحوال والظروف، مما يفرض واقعًا معقدًا يستدعي تعاملًا متزنًا لا يزيد من الخصومات، ولهذا فإن الإصلاح بين الزوجين قبل اللجوء إلى التقاضي هو الخيار الأفضل، امتثالًا لقول الله تعالى: " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا" (النساء: 35). من يعتقد أنه كاسب في هذه الدعاوى قد يكون في واقع الأمر خاسرًا من نواحٍ أخرى، ومن خسر الدعوى قد يتحمل أعباء مضاعفة قانونيًا واجتماعيًا ونفسيًا، مما يجعل إنهاء النزاع بأقل الخسائر ضرورة ملحة، وأما المحامي أو المستشار الأسري الذي لا يملك الوعي الكافي فقد يسهم في تعميق الأزمة، بدلاً من إيجاد مخرج متزن يحفظ مصالح الجميع. قضايا الأحوال الشخصية ليست ساحة انتصار، لكنها اختبار لقدرة الأفراد على تحقيق التوازن بين القانون والرحمة، والطلاق لا يعني دائمًا انهيار الأسرة، ولا يكون دائمًا نتيجة ظلم أو تعدٍّ، فأسلوب التعامل معه هو الذي يحدد إن كان بداية جديدة أم مأساة مستمرة. ومن أهم المبادئ التي ينبغي مراعاتها بعد الانفصال هو إبقاء الود والتعامل بالمعروف، استنادًا إلى قول الله تعالى: "وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ" (البقرة: 237)، فمن حق كل طرف أن يحفظ كرامته، ومن واجبه أيضًا ألا يحوّل الطلاق إلى صراع مفتوح يؤذي جميع الأطراف، خاصة الأبناء. وكما جاء في الأثر: "لا يدرك المرء نعمة الصحبة حتى يذوق مرارة الفراق"، ليس كل من كسب القضية كاسبًا، وليس كل من خسرها خاسرًا، فالميزان الحقيقي لا يقاس بالأحكام الصادرة، وإنما بالأثر الذي تتركه هذه القضايا في حياة من مروا بها. بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري شــــــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي محــــــــامون ومستشــــــارون في القانون هاتف: 90605000 البريد الالكتروني: info@mflegal.net - mohd@mflegal.net
- الموظف في خدمة الشعب… إذا كان مزاجه يسمح!
الموظف في خدمة الشعب… إذا كان مزاجه يسمح! نبدأ بالشكر والثناء على الموظفين الذين يحيونك بالبشاشة، ويرحبون بك، ويسألون عن الأخبار والعلوم، وتجدهم فرحين بخدمتك، وكأنهم هم المستفيدون، هذا النوع من الموظفين، حتى لو كانت لديهم إجراءات وشروط، لا تشعر منهم بثقل، ولا تتضايق من حديثهم، لأنهم يتحدثون بصدق ويؤدون عملهم بنية طيبة، ولا يحاولون تصريفك أو التهرب منك؛ فهم يدركون أن وجودهم في هذا المكان لأجل خدمة الناس، ويؤدون واجبهم بأمانة وإخلاص. على الجانب الآخر، هناك نوع آخر؛ بالكاد يرد السلام، وإن رد، فصوته يكاد لا يُسمع، لا يبدي أي اهتمام، يرد عليك من طرف خشمه، ويعاملك وكأنك عبء ثقيل عليه، ويحاول صرفك بأي طريقة، يقول لك: "راجع فلان"، أو "أوراقك ناقصة"، أو "هذا ليس من اختصاصي"، وإذا عدت إليه مرة أخرى يختفي أو مشغول بلا سبب، وكم أشفق على ذلك المسكين الذي يقطع المسافات من أجل إجراء ينجز باتصال عند البعض! هذا الأسلوب غير مفهوم، والناس لا تدرك أسبابه؛ هل هو ضعف في الوعي؟ هل هو حب التسلط؟ أم أن بعض الموظفين يرون الوظيفة وكأنها منة منهم على الناس؟ وكأن أداءه لعمله لا يستقيم إلا ما دمت عليه قائما! هناك أيضا من الموظفين من يتعمد تعطيل المعاملات، وأحيانا يكون له مصلحة مباشرة في تأخيرها، سواء لتحقيق مكاسب شخصية، أو لأشخاص يعنيه أمرهم، أو لعرقلة خدمة معينة، أو لممارسة نفوذه بأسلوب غير مشروع، وبلا ريب أن هذا السلوك أشد خطورة من الإهمال؛ لأنه يضر الناس عن قصد، ويدفع المراجع إلى الشعور بأنه لا خيار أمامه سوى التنازل عن حقه أو التراجع عن طلبه، وهو أمر غير مقبول إطلاقا؛ لهذا السبب، يتعامل قانون الجزاء مع هذه التصرفات بحزم، باعتبارها جناية تمس هيبة الدولة وحقوق المواطنين. في السنوات الأخيرة، الحكومة تسعى إلى تسهيل المعاملات وتخفيف الأعباء عن الناس، واعتمدت الأنظمة الإلكترونية لتبسيط وتسريع الإجراءات وتقليل المعاناة، لكن المشكلة الجديدة أن بعض الموظفين لا يراجعون النظام الإلكتروني ، رغم رفع الطلبات على النظام ، ولكنها تبقى عالقة لأيام وأسابيع بلا متابعة بذريعة الزحمة، إذن ما الحاجة إلى نظام إلكتروني أبطأ من النظام التقليدي، الأمر أشبه بباب واسع لصرف المراجعين بأسلوب جديد، هذا نوع آخر من التعطيل وعدم الاكتراث، يؤدي إلى تأخير المعاملات وتعطيل مصالح الناس دون أي مبرر واضح. أي مراجع يتعرض لهذا الأسلوب لا يجب أن يسكت أو يمتثل لكل تصريفات غير منطقية. عليه أن يراجع المدير أو رئيس القسم مباشرة، وإذا لم يحصل على استجابة، يواصل حتى يصل إلى المسؤول الأعلى. السكوت عن هذه الممارسات يعني استمرارها وتكرارها مع الآخرين، وما يعاني منه شخص اليوم، سيتكرر مع غيره غدًا، مما يبقي المشكلة قائمة. رفع الموضوع لا يعود بالنفع على الفرد فقط، بل هو حماية للناس جميعًا من تكرار هذه التصرفات. أما عن نفسي، فكلما راجعت مؤسسة وواجهت مثل هذا الأسلوب، أو رفعت طلبًا إلكترونيًا وظل معلقًا بلا مبرر، لا أكتفي بالموظف الذي أمامي. دائمًا أرفع الأمر إلى المسؤول الأعلى، وإذا لم أجد تجاوبًا، أواصل حتى أصل إلى صاحب القرار. طالما أنني متأكد من صحة معاملتي وأوراقي مكتملة، فمن حقي أن أحصل على الخدمة دون تعقيد. التعامل بهذه الطريقة يوضح لأي موظف أن الناس أصبحت أكثر وعيًا بحقوقها، ولن تقبل بأي تعطيل أو تهاون في إنجاز معاملاتها. المشرع عندما وفر الحماية الجزائية للموظف، افترض أنه قائم على خدمة الناس، وبحكم طبيعة عمله قد يتعرض لضغوطات أو محاولات للتأثير عليه، وقد تحصل بعض التجاوزات من المراجعين، فكان من الضروري منحه هذه الحماية حتى يؤدي عمله باستقلالية ودون خوف، هذه الحماية لم تُوضع ليستخدمها البعض كذريعة للتعالي على المراجعين أو تعطيل معاملاتهم، وإنما لأنه يمثل هيبة الدولة، وهذه الهيبة ليست مجرد منصب أو وظيفة، وإنما مسؤولية وأمانة، تتطلب منه التعامل مع الناس باحترام، وحماية حقوقهم، وتقديم الخدمة بكل إخلاص وصدق. الخدمة العامة مسؤولية، والموظف في أي دائرة حكومية أو خاصة موجود لتقديم الخدمة للناس، وليس للتحكم في مصيرهم أو تعطيل مصالحهم؛ فمن يتعامل مع الناس باحترام وأمانة، يكتسب احترام الجميع، ومن يتعمد التعطيل أو الاستهتار بعمله، سيفقد ثقة الناس واحترامهم. الوظيفة ليست امتيازا لممارسة السلطة، هي أمانة ومسؤولية، ومن يؤديها بإخلاص، يرفع من نفسه، ويخدم وطنه بأفضل صورة. المحامي محمد بن سعيد المعمري شــــــركة المــعـمري والســـعـيدي محامون ومستشارون في القــانون
- حين سقط القناع وانكشف المستور
حين سقط القناع وانكشف المستور سنوات طوال، والشاب المصاب بعاهة عقلية مغلوب على أمره، يعيش تحت سطوة ذاك الوحش، لا قيدٌ يغلّ يديه، ولا بابٌ يُوصد في وجهه، غير أن روحه مكبلةٌ بالخوف، ولسانه معقودٌ بالعجز؛ فلا يدفع عن نفسه ظلمًا، ولا يصدُّ عنه سوءًا، كأنما قُدّ من طين لا يعرف الصراخ، ولا يسكنه الرفض. ذلك المستبد، الذي لبس وجه الصلاح، واغتسل بعبارات التقوى، كان سيدًا مطلقًا على ضعفه، يحرّكه كما شاء، ويأمره فينصاع، لا بسياطٍ تجلد ظهره، بل برهبة تزرعها الأيام في قلبه، حتى صار كما يريد، يأخذ منه ما يشتهي، ويملي عليه من الفحش ما لا يطيق. لم يكن ليحسب أن يد العدالة ستمتد إليه؛ لم يخطر له أن رعونة لسانه ستكون حبله إلى الهاوية، فقد ظن أن الدرب ممهدٌ، والمكر نافذٌ، فانطلق يعبث في الخفاء، يطوف في أزقة الليل، يستدرج من يظنهم فرائسه، ويتقرب إليهم بالكلام الملتوي، يستعين بالكلمات التي يختارها بدهاء، يتحرك بين السطور كما لو كان يرقص فوق خيطٍ مشدود، لا هو بالمتزن ولا هو بالساقط. ذات ليلة، حين أرخى الليل سدوله، وتمدد الوحش في زاويته المظلمة، أطلق لنفسه العنان، فلم يكتفِ بالكلام، ولم يقتصر على الإشارات،وإنما أرسل مقطعًا مصورًا، إلى مشروع صحيته الجديدة التي حاول التقرب منها عن طريق الفيس بوك، وكشف فيه عن فُحشه دون أن يدرك أن الخناق بدأ يضيق، وأن لحظة سقوطه قد حانت. المرسل له لم يكن وحده؛ كان إلى جواره صديق لم ينسَ ذاك الوجه، تذكره في لحظة، تذكر كيف رآه قبل زمن قريب، كيف كان صوته جلجل في الطرقات، كيف وقف أمامه يومًا حين رفع صوت الموسيقى، فزجره بحدةٍ، ونهره كأنما ينطق بالحق الذي لا يُرد، وكأنما يعلو فوق الناس جميعًا بالتقوى والطهر، ثم ها هو الآن، ينكشف على حقيقته، يسقط من عليائه، يغرق في قاذوراته. واجهه دون تردد، رفع هاتفه وأراه المقطع، قال له: " أنت الذي صرخت في وجهي يومًا لأنني رفعت صوت الموسيقى؟ وأنت الذي ادعيت النصح؟ انظر إلى نفسك، هذا وجهك الحقيقي، وهذا قبحك الذي أخفيته تحت ستار الفضيلة". لم تلبث الفضيحة أن انتشرت، كالنار إذا مست هشيمًا يابسًا، تدحرجت القصة بين الأيدي، حتى بلغت أبواب القضاء، فما أن نما إلى علم الادعاء العام أمر الفيديو، حتى تحرك على الفور، لا تردد ولا تباطؤ، فالرائحة النتنة بلغت كل مكان، والعدالة لا تنام على جريمة مثل هذه. لم تأخذ التحقيقات وقتًا طويلًا، سقط الوحش في قبضتهم، لم يحتج المحققون إلى كثير عناء؛ فالقرائن تنطق، والأدلة تصرخ، وما إن تعمقوا في البحث حتى أخرجت الأيام أسرارها، ظهرت الحكاية كاملة، وجدوا ذلك المسكين، الذي ظل أعوامًا تحت رحمته، لا يتجرأ على الرفض، لا يملك سوى الصمت والامتثال، كأنما وُلد ليكون طوع أمره، يأمره فينحني، يطالبه فيستجيب، لا قوة تدفعه إلى الهروب، ولا لسان يصرخ في وجهه. صدر الحكم، خمسة سنوات وراء القضبان، يد العدالة امتدت وأخذت بثأر الضعيف، قيدت الوحش بالسلاسل التي أفلت منها طويلًا، أغلق الباب خلفه، وانتهت الحكاية التي عاش يرويها لنفسه، قصة المكر الذي حسبه لا يُكشف، والتلاعب الذي خاله لا يُفتضح. هكذا، دار الزمن، وانقلب السحر على الساحر، وسقط القناع، ليُثبت أن العدل، وإن تأخر، لا يضيع. المحامي محمد بن سعيد المعمري شـــــــــــــركة الـمعمري والسعيدي محــامون ومستشارون في القانون
- هل يجوز إنهاء خدمة الموظف لانقطاعه عن العمل بسبب عدم أخذه اللقاح؟
اختلفت وجهات النظر بين المشتغلين بالقانون من حيث معالجة موضوع جواز إنهاء خدمة الموظف لانقطاعه عن العمل بسبب عدم أخذه اللقاح، وإن كان الجميع يتفقون -في نهاية المطاف- إلى أحقية الجهة الإدارية في إنهاء خدمة الموظف، إلا أن طريقة إنهاء خدمة الموظف دون التقيد بالإجراءات القانونية يعرض القرار إلى عدم مشروعيته؛ لذا أبسّط الموضوع بشيء من التفصيل بغية الوصول إلى الإجراءات السليمة في هذا الشأن؛ وذلك وفقًا للتفنيد الآتي. بادئ ذي بدء لا يصح لجهة الإدارة أن تُنهي خدمة الموظف لأسباب انقطاعه عن العمل بشكل مباشر؛ ذلك أنه متى ما ثبت لجهة الإدارة أن سبب الانقطاع عن العمل مرده عدم أخذ الموظف للقاح؛ فإنه لا يجوز إنهاء خدمته بهذا المسلك؛ ذلك أن المستقر عليه في قضاء محكمة القضاء الإداري بالسلطنة في إعمال قرينة الاستقالة الضمنية شرطه هجران الوظيفة العامة؛ فمتى ثبت أن الانقطاع عن العمل جليّ سببه لجهة الإدارة لعدم أخذ الموظف اللقاح، وقامت جهة الإدارة بإنهاء خدمته بهذه الشاكلة؛ فإن قرارها يُعد غير سليم قولًا واحدًا دون خلاف. وبالمقابل جهة الإدارة لها أدواتها القانونية في ضبط سير المرفق العام بانتظام واضطراد، فغياب الموظفين عن العمل لا ريب أن يتمخض عنه الإخلال بتقديم جهة الإدارة لخدماتها للمنتفعين بالمرفق، ويتسبب أيضًا في ضياع الحقوق، فضلًا عن التقليل من هيبة السلطة التنفيذية؛ لذا فإن المشرع عالج مثل هذه الحالات بأكثر من وجه؛ حيث أن جهة الإدارة لها أن تلجأ إلى احتساب مدة الغياب خصمًا من الإجازة الاعتيادية إذا كان للموظف رصيد منها وإلا حرم من راتبه الكامل عن مدة غيابه؛ تطبيقًا لقاعدة الأجر مقابل العمل، وتجدر الإشارة عند تطبيق هذا الإجراء، ليس لزامًا على جهة الإدارة التقيد بإجراءات الشكل التي يطلبها إصدار القرار الإداري من وجوب إصداره من مختص بإصداره ونحوه؛ باعتبار أن القرار في هذه الحالة هو إعمال لحكم القانون متى تحققت واقعة الغياب دون مسوغ قانوني؛ لذا يصح للجهة المختصة بشؤون الموظفين أن تتخذ هذه الإجراءات بصورة مباشرة دون التقيد بالإجراءات المعلومة لإصدار القرار؛ تنفيذًا لحكم القانون. علاوة على أن الجهة الإدارية لها سبيل آخر في معالجة هذا الوضع من خلال القرار التأديبي؛ مع مراعاة أن يرتكن القرار على سبب يسوغه، وهو ارتكاب الموظف لذنب إداري لفرض عقوبة مناسبة على هذه المخالفة حسب جسامتها؛ لذا وجب عند إنزال العقوبة على الموظف ألا تكون هذه العقوبة بها غلو في تقديرها فالشطط ممنوع، وألا تكون العقوبة فيها تفريط مسرف في الشفقة يؤدي إلى التهاون في العمل والاستهانة به، وإن حصل هناك غلو في هذه العقوبة؛ فإن محكمة القضاء الإداري لها سلطة الرقابة القضائية في تناسب العقوبة مع المخالفة المرتكبة. وأرى أنه لا يصح لجهة الإدارة بمجرد أن تنقضي مدة (30) الثلاثين يومًا متصلة أن تحيل الموظف للمساءلة الإدارية وتصدر قرارها بانتهاء خدمته لأسباب انقطاعه عن العمل عن هذه المدة فقط؛ باعتبار أن هذه المدة لا تتناسب وحجم العقوبة في ظل تيقن جهة الإدارية أن سبب انقطاع الموظف هو عدم أخذه اللقاح؛ ذلك أنه يتعين على جهة الإدارة أن تتبع عدة خطوات لمعالجة الموضوع، أخصها التدرج في إيقاع العقوبات في مثل هذه الحالات، ولا يؤخذ من هذا القول أن يتم التدرج التسلسلي الوارد بالمادة (116) من قانون الخدمة المدنية المعنية بالعقوبات الجائز توقيعها على الموظفين من الابتداء بالإنذار إلى الانتهاء بالفصل من الخدمة، وإنما القول ينصرف إلى أن تكون العقوبة تبعًا لعدد الأيام وحالة التكرار إلى أن تصل جسامة المخالفة المرتكبة إلى تناسب العقوبة بإنهاء خدمته في وقتها وظرفها المناسبين لكل حالة على حدة. ختامًا لا يسعنا إلا أن نسأل الله برفع البلاء وانقضاء المحنة، وأن نجتاز هذه الغمّة دون فقدان أي موظف لحياته الوظيفية. المحامي محمد بن سعيد بن أحمد المعمري شركة المعمري والسعيدي محامون ومستشارون في القانون info@legaljm.com
- المحامي محمد المعمري يكتب: أسئلة وأجوبة حول ضوابط منح الأراضي الحكومية
نسلط الضوء في هذا المقال على ضوابط منح الأراضي الحكومية السكنية بموجب القانون الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 42/ 2021 بتاريخ 6/ 5/ 2021م والمنشور في الجريدة الرسمية العدد رقم (1391) بتاريخ 9/ 5/ 2021م، وبالاطلاع عليه، فإنه يتضح بما لا يختلف عليه اثنان أن المرسوم السلطاني جعل قوام المنح هو الأسرة؛ إذ إن أحقية المنح ليست للفرد، كما كان معمول به سابقا؛ بل للأسرة؛ باعتبارها النواة المكونة للمجتمع، والتي تستحق كل عناية واهتمام. وجعل المرسوم استثناءً من هذا الأصل بمنح الرجل أو المرأة في حال إن كان أحدهما معيلًا لنفسه، شريطة ألا يقل سنه عن 40 سنة. لاحظنا ردود أفعال مختلفة إثر صدور القانون، غلبت على بعضها الامتعاض، وهو أمر طبيعي وصحي؛ فالضوابط السابقة كانت تجعل كل مواطن محلًا لحق المنح، وهو بلا ريب ميزة أكبر، إلا أن التطبيق الواقعي أفرز أن كثيرًا ممن يحصلون على تلك المنحة لا يستفيدون منها؛ بل تضيع منهم حتى قبل أن يحصلوا عليها؛ إذ يعمدون إلى بيعها في مرحلة الإيصال فقط، وأروقة المحاكم شاهدة على دعاوى كثيرة كان سببها بيع إيصالات الأراضي.. لذلك فإن القانون لم يأتِ من رحم الفراغ؛ بل جاء بعد مخاض الواقع غير الصحي. نعود للتأكيد على أن ضوابط المنح وفقا للقانون الجديد تستهدف تدعيم الكيان الأسري وتقوية أواصر العلاقة الأسرية، من خلال توفير بيئة مستقرة، عندما يكون سند ملكية الأرض باسم الزوجين؛ ذلك أن الملكية المشتركة أدعى للحفاظ إلى رباط الأسرة؛ وهذا لمسناه من الواقع العملي لممارستنا مهنة المحاماة. نشير هنا إلى أن نطاق سريان هذا القانون يشمل جميع الطلبات التي لم يُبت فيها سابقًا وأيضًا الطلبات الجديدة، تطبيقًا للمادة الثالثة من المرسوم. هذا السريان تم أخذه من فلسفة تشريعية قانونية سليمة؛ حيث استقر إفتاء وزارة العدل والشؤون القانونية على أنه: "لا ينهض التشريع منطبقًا إلا على ما يقع من تأريخ العمل به، وتنحسر ولايته على ما يكون حاصلًا قبل ذلك العمل، ويستثنى من ذلك إذا كانت الأوضاع القانونية في دور التكوين ولم تستكمل وجودها في ظل التشريع القديم الذي كان يحكمها وإنما استكملت أطوارها في ظل التشريع الجديد؛ فيسري عليها التشريع الجديد بما له من أثر فوري ومباشر، وأما إذا تكاملت هذه الأوضاع وتوافرت العناصر اللازمة لإنشائها فإنها تظل محكومة بالتشريع الذي نشأت وتكاملت في ظله". ننتقل لأهم التساؤلات التي أُثيرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ذكر بعض المشتغلين بالقانون وجود تعارض بين هذا القانون والمادة (56) من قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 32 /97 والتي تنص على أنه: "على الزوج أن يهيئ لزوجته مسكنًا ملائمًا يتناسب وحالتيهما"، من حيث أن المنوط به توفير المنزل هو الرجل باعتباره المعيل للعائلة؛ مما لا يصح معه أن تشترك الزوجة في ملكية الأرض السكنية، ويُجاب على هذا أنه لا تعارض بين المادة آنفة الذكر مع القانون محل المقال الماثل؛ ذلك أن المُشرِّع أورد المادة (56) على سبيل الإلزام القانوني على الزوج؛ باعتباره المعيل للأسرة والمسؤول عنها شرعًا وقانونًا، فهو ملزم من حر ماله بالنفقة عليها وعلى أبنائه. أما هذا القانون فجاء منحة من المشرع، ولا يسأل المانح كيف ومتى ولماذا يمنح؟! فالمُشرِّع له السلطة التقديرية بما يفرضه الواقع وتمليه الظروف في ذلك الزمان والمكان. وقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي في الموضوع مثار المقال بين معلق على القانون وبين متسائل، ومن جملة هذه التساؤلات: ما مصير من اشترى إيصالات الأراضي السابقة؟ هل يحق للمشتري المطالبة باسترجاع مبالغه؟ الجواب: نعم، له الحق في استرجاع ماله؛ ذلك أن البيع باطل شرعًا وقانونًا؛ حيث يعد بيع ما لا يملك ويبطل معه البيع؛ تطبيقًا للمواد (115- 116- 117) من قانون المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 29 /2013؛ حيث إنه إذا لم يكن المحل معينًا تعيينًا نافيًا للجهالة رتب عليه المشرع بطلان العقد برمته، ويترتب على هذا البطلان إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد وذلك بأن يرد البائع الثمن للمشتري. ويسأل أحدهم عن آلية إثبات بناء الوحدة السكنية (المنزل) الذي قام الزوجان معًا أو أحدهما ببنائه على الأرض السكنية الممنوحة للزوجين؟ وإجابة على ذلك فإن سند الملكية- كما هو معلوم لدى الأغلبية وفق الإجراءات المتبعة في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني- لا يفرِّق في محتواه بين الأرض والمنزل القائم عليها، كما إنه لا توجد أي جهة إدارية توثق المباني بمعزل عن الأرض؛ لذلك فالحل يكمن في إفراغ الواقع الحقيقي لمن قام ببناء المنزل؛ سواء الزوج أو الزوجة أو كلاهما في ورقة عرفية وفق الضوابط المقررة بقانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (68 /2008)، وبذلك فإذا ما نشب خلاف فيمن قام ببناء المنزل؛ فيكون مرده للثابت بالورقة العرفية. أما عمّا أثاره البعض من جواز توثيق ذلك أمام الكاتب بالعدل، فإنه تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن ما يتم توثيقه أمام الكاتب بالعدل هو إقرار بديْن، ولا يتم توثيق سبب ذلك الديْن، وبالتالي فإنه لا يكفي من أجل إثبات الحق. وذُكر أن المرسوم مزج بين الذمم المالية للزوجين؛ وهذا القول ليس سليمًا؛ ذلك أن إشراك الزوجين في سند ملكية واحد لا يعد مزجًا للذمم، فلكلٍ ذمته المستقلة، وإنما تشترك هذه الذمم في ملكية عقار على الشيوع، وفي حال أرادا إنهاء حالة الشيوع فإنهما يلجآن للطريق الذي رسمه القانون، فلا يُعدُّ ذلك مَثلبًا في القانون، فضلا عن أن هناك كثيرًا من التصرفات تؤدي إلى اشتراك الذمم المالية بين أشخاص لا تربطهم ببعضهم أية صلة، وعليه فإن كان هناك ارتباطًا للذمم المالية للزوجين فهو أمر أدعى للقبول والمباركة، خاصة في ظل ما نعيشه من التكاتف الملحوظ الذي فرضه الواقع على الزوجين في ظل الحياة المتزايدة الصعوبة. كما يُطرح على ساحات التواصل الاجتماعي أنه في حال الفرقة بين الزوجين؛ فمن له الحق بسند الملكية؟ الجواب: سند الملكية سيبقى ملكًا للاثنين شأنه شأن أي عقار آخر، وهنا بإمكان بقاء الشراكة قائمة بجعل العقار للإيجار، أو بيع العقار بمراعاة أن يأخذ كل ذي حق حقه مما صرفه في المنزل، وأيضًا مراعاة أن الشُفعة للشريك الآخر؛ ارتكانًا إلى المادة (904) من قانون المعاملات المدنية المشار إليه أعلاه. وفي حالة رغبة الطرفين كلاهما في شراء العقار فإنه يتم المزايدة بينهما بحسب المتبع. والتساؤل الأخير من جملة التساؤلات التي نتعرض إليها بالمناقشة هو: فيما إذا تزوج الرجل بامرأتين فهل يجوز منحه أرضين؟ يُثير البعض هذا التساؤل ويُعده فراغًا تشريعًا؛ لعدم وجود نص صريح في هذا الشأن، وربما يكون تساؤلهم في محله، ولا نجدُ من نصوص القانون ما يجيب على ذلك، سوى ما نص عليه البند السادس من ضوابط منح الأراضي الحكومية السكنية؛ حيث عمد المشرع إلى وضع ضوابط وشروط عامة ومجردة لاستثناء بعض الطلبات بمنح الأراضي الحكومية السكنية بقرار من وزير الإسكان والتخطيط العمراني، مع مراعاة أن هذا القرار لا يستكمل شكله القانوني إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وفي الختام.. فإن ما دار من رحى التساؤلات والقبول والرفض والمباركة والاعتراض، أمر صحي على الساحة العمانية، فلا ريب أن هذه النقاشات تثري الموضوع محل الجدل، مما قد يدفع إلى التعديل والتغيير والتطوير، ونحن مع الكلمة الهادفة التي تصدر عن علم وبصيرة، والله من وراء القصد. محمد المعمري محامِ ومستشار قانوني
- قتل وسرقة طلبًا للثراء السريع .. والعدالة تقول كلمتها
كان الليل لا يزال يرخي سدوله على ولاية المزيونة، وحرس الحدود بالجيش السلطاني العماني يأمنون المنطقة الحدودية من مهربي المخدرات وتجار الأسلحة والمتسللين بطرق غير مشروعة. في جنح الظلام وعلى مسافة بعيدة عن منفذ المزيونة، كانت سيارة تشق التضاريس بمهارة وإتقان، متسللة عبر الخط الفاصل بين الدولتين، قادمة من إقليم جار. وتم تحديد الموقع، انطلقت أقرب قوة مسرعة نحو الهدف، وما أن رآهم سائق السيارة حتى ارتمى في أتون الصحراء، وقبل بمغامرة خطيرة لا تحمد عقباها قد تؤدي إلى مقتله، هنا حين يكون الموت رديفا للحياة، حياة العبثية حين لا يرى الإنسان في تصرفاته الحمقاء ما يخسره فيما لو تفحص بعين العقل عواقب ما يفعل، أبسط ما يمكن أن نصفه (بايعنها بايعنها). لم يكترث للتنبيهات، بل أخذ يسلك طرقا وعرة، ولم يكن ليفلت من قبضة الجيش المتمرس في معرفة تضاريس المزيونة وتبعاتها من ميتان شمالا إلى ضلكوت جنوبا. استسلم السائق أخيرا، لقد كان وحيدًا، لكن الأشياء الصغيرة قد يصدر عنها أعظم خطر، كان يحاول تهريب مواد مخدرة ومجموعة كبيرة من الأسلحة المحظورة. صودرت المواد المضبوطة، وتم مصادرة المركبة باعتبارها أداة مستخدمة في الجريمة، وزُج به في السجن بعد صدور حكم الإدانة ليقضي سنوات فيه. حقد، وضغينة، وخيبة أمل… أصيب بها ذلك الرجل وهو يقضي مدة العقوبة، كان يأمل بالثراء السريع بطرق غير مشروعة، من خلال جلب المخدرات وتجارة الأسلحة المحظورة. عاش السنوات القليلة الماضية في دولة غربية، وكان قد تزوج من امرأة أجنبية قبل أن يعود إلى عُمان لينفذ ما خطط له في جمع أموال بطريقته الخاصة، ظنا منه أن بإمكانه تجاوز عقبة الأمن بدهائه وذكائه وبمهارات تعلمها في الخارج، وأن له الحق في ارتكاب الجرائم وخرق القوانين لكونه داهية وعبقريا .. هكذا كانت فكرته …! قضى فترة السجن يفكر في الطريقة التي سيدبر بها الأمور، خطط لارتكاب جريمة يحقق من ورائها منفعة، وفي الوقت ذاته يشفي بها حقده على المجتمع أو الدولة. في اليوم الأول له في السجن حاول فرض سيطرته، كان التصنع واضحا عليه، يحاول تقليد بعض الحركات التي يمكن للمرء مشاهدتها في أفلام السينما، لكنه انصدم بنزلاء لا هَمّ لهم سوى الأحاديث والضحك كأنهم أسرة واحدة، بل ويحرصون على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، وكلما حاول تشكيل حزب، بهدف الفتنة والاستمتاع، يتفاجئ بوصول أخباره تفصيلا إلى مدير السجن، فيتم استدعائه لتنبيهه. كان يرفض قص شعره أو تشذيب لحيته في كل مرة يحين فيها موعد الحلاقة، ولا يتم ذلك إلا بعد عقاب يجبره على الامتثال إلى الأوامر بتقصير شعره 2 بوصة. ذاع صيته بين المساجين والحراس، وقد نال ما كان يبحث عنه من الشهرة بواسطة التمرد على الأوامر وافتعال المشكلات مع النزلاء الآخرين، وكان يطوي أكمام قميصه كي تبين أوتار عضلاته السميكة ورسمة بدت كوشم على ظاهر عضلة يده اليسرى، وقد حصل عليها من أحد النزلاء الذي تعلم فن الرسم داخل السجن. كان ينعم برفقة صديقين يناديهما بأسماء أجنبية، أحدهما يقضي حكما بالسجن المطلق في جناية قتل، والآخر في جناية هتك عرض، وكان كل منهم يتفاخر باستعراض ما فعله خارج السجن، وإذا تحدثوا فإنهم يتكلمون جميعا في الوقت ذاته، لقد كانوا فارغين لدرجة أن ريحا ستطيرهم لو اجتمعوا خارج أسوار السجن! بعد انقضاء مدة العقوبة خرج أخيرًا من السجن، وكانت إدارة السجن قد تدرجت في تخفيف القيود عليه، مع منحه بعض المزايا، تمهيدا للإفراج عنه وتسيير ادماجه في المجتمع، وهي مرحلة انتقالية تسبق الإفراج لمن تزيد مدة بقائهم في السجن على أربع سنوات. وبعد شهرين توجه إلى الجهات المختصة مطالبا باستعادة سيارته التي صادرتها الدولة بحكم قضائي، لكن تم رفض طلبه على اعتبار الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي فيه، لكنه تعنت وأخذ يكرر الطلب بتردده على عدة جهات من دون جدوى. ثم بدأ الشروع في تنفيذ خطته، ظل يبحث عن أماكن الحراسة غير المشددة، يقوم بزيارات خاطفة أو يراقب المكان من بعيد، وبدت كل الأماكن صعبة عليها حراس أشداء ويستحيل اختراقها. بعد أشهر اتصل بصهره الأجنبي شقيق زوجته، وطلب منه المجيء إلى السلطنة حالًا، فلديه أشياء لا يمكن تفويتها، أهمها المال، ولم يكن صهره يكذب خبرا كهذا فبالكاد سمع كلمة المال حتى رد بالموافقة. تعامدت الشمس في كبد السماء مسلطة أشعتها على المزارعين العائدين للتو بقفرانهم في موسم القيظ، وعلى ممر طويل ومتعرج يشق بساتين النخيل، كان الأب يحمل حبل الطلوع على كتفه ويتقدم حمالي قفران الرطب ليشق لهم الطريق. يظهر من بين الحمالين ابنه الأصغر ذو السابعة عشر من عمره، صاحب النكتة والروح المرحة، ولا يكف عن إطلاق النكات على المتقاعسين، لذلك يحرص الجميع على عدم المشي أمامه، ويطلبون منه التقدم خلف والده مباشرة، ومع ذلك لم يكن ليتوقف عن الالتفات إلى الخلف والبحث عنهم أثناء المشي فيغتنم فرصته برؤية رؤوس دخل معظمها في قاعدة الفقير: ” خبروا المكسيكي يرفع قفيره لا نقوم نرقط رطبه طول الدرب ” يضحك الجميع، فلديه اسلوب ساخر لا يقاوم. بعد يوم شاق توقف الجميع عند شريعة الفلج، حطوا قفرانهم على جدار ساقية الفلج، واستلقى بعضهم على الساقية، واكتفى الأب بالاغتسال وتناول فنجان قهوة مع بعض حبات الرطب. من بعيد يظهر شاب يمشي باتجاههم، كان نحيف البنية مسمر البشرة، يقترب بسرعة، خطواته متباعدة، تشبه خطوات الجنود في انضباطها، الابتسامة لا تفارق وجهه، يقفز الابن الصغير فجأة من الساقية ويركض نحو الشاب القادم. إنه اخي، إنه أخي! عاد الابن الأكبر بعد غياب أشهر طويلة في التدريب بعد التحاقه بالجيش، ولا يمكن وصفُ الفرحة الطاغية التي ارتسمت على سيماء وجه والده الذي ظل يعانقُ ابنه العائد ويضمه إلى صدره. كان الأب لا يمل من سماع القصص الطويلة التي يرويها ابنه عن أشهر التدريب، قصص ضجر منها أصحابه لكثرة ما يكررها لهم، لكن الأب والأم كانا مصرين على سماعها مئات المرات، خاصة وأن ذلك كان يشعر ابنهم بالسعادة. عاد الابن إلى العمل، انتهت فترة التدريب، واستقر في مكان محدد بمعسكر تابع للجيش في العاصمة مسقط، وداوم على الرجوع إلى البلدة في عطلة نهاية الأسبوع لعدة سنوات، وانتهى به المطاف للعمل في حراسة منشأة قيد الإنشاء تابعة للجيش عبارة عن مخزن للأسلحة، يتوزع وقت حراسته حسب الأوامر، فمنهم من يحرس وقت النهار ومنهم يسهر الليل. وصل الصهر أخيرا، واستقبله في مطار صلالة، ثم توجها مباشرة نحو شقته، تركه لينام ويستريح من مشقة رحلة السفر الطويلة. خرج لتزجية الوقت في التنقل بين أماكن الحراسة، يراقب الأوضاع، يدون مواعيد تبديل وردية الحرس، يكتب تقريره النهائي ثم يضم الورقة إلى ملف التقارير السابقة. عند المساء عاد إلى الشقة يحمل معه أكياس الطعام وعلب البيرة وصندوق سجائر. تناولا العشاء معا، وأخبره بحماس وغرور عن السطوة التي فرضها في السجن، وكيف كانوا ينظرون إليه كملك عليهم، وصف له حجم المتعة اللامتناهي عندما يتمتع المرء بالسلطة ويحترمه الجميع لمجرد الخوف منه، كان الصهر مندهشا مما يسمع ومسرورا به، يعانقه تارة وتارة يقرع على كأسه ثم يشرب ما فيها على صحته. يطرق باب الشقة للمرة السابعة، هذه المرة قرر عدم فتح الباب والتنازل عن كبريائه بتخفيض صخب الموسيقى التي أقلقت راحة الجار وحرمته من النوم، فعل ذلك وهو يكيل لجاره كل أنواع الشتائم باللغة الإنجليزية ليستعرض هيبته أمام صهره. وسط زخم ونشوة أحداث الليلة وما تلاها من ليال، ومع تجدد الانسجام بينهما، قرر أن يصطحبه في جولة إلى مركز المدينة لمعاينة مواقع البنوك، طلب منه المشاهدة فقط بدون أي تعليق، وأخذ يتنقل من موقع إلى آخر بعد أن حفظ طرق المدينة جيدا. الصهر لم يكن غبيا، هو يعلم النزعة الإجرامية لدى زوج شقيقته، وكان هذا ما يعجبه فيه، ومع ذلك تظاهر بعدم الفهم واستمر في مجاراته. – هل هذه الأموال التي وعدتني بها يا صديقي.. سرقة بنوك! ؟. – لا تستعجل إذا كنت تريد الملايين فهنا يمكننا فعلها والهرب بها إلى مكان مجهول. – هذا صعب جدا، ولو فرضنا فعل ذلك لا يمكننا الهروب بسهولة، وكيف يمكننا الهروب بالملايين. – إذا كان هذا ما يقلقك فقط، لا تقلق سنرتب كل شيء. – حسنا، ما الذي تنوي فعله؟. لقد كانت خطة إقناع الصهر هي جزء من الخطة الكبيرة، وبات الآن من الضروري أيضا حول إقناعه بتوفير سلاح لإتمام عملية السرقة، كي يشفي غليله وينتقم ممن كانوا سببا في القبض عليه ومصادرة الأسلحة والمخدرات وسيارته. لم يعد الصهر يرى أمامه سوى الملايين، فقد نجحت محاولاته في إقناعه بسهولة تنفيذ الخطة التي اقتضت ضرورة التخلص من حراس مخزن أسلحة والاستيلاء عليها، فالسلاح المطلوب لا يوجد إلا في هذه الأماكن. وعبثا ذهبت كل المحاولات أمام الحراسات المشددة، فلم يكن ليجرؤ حتى على الاقتراب، اكتفى بالمراقبة من أماكن بعيدة ومتنوعة، وفي ظل هذه الظروف بدأ الصهر يشعر بالتراجع، فما كان منه إلا تدارك الأمر وتحويل وجهة التنفيذ إلى مقرات أخرى، جمعا أغراضهما وانطلقا متجهين نحو مسقط. بابتسامة هادئة، تأمل الأب ملامح ابنه الأكبر الذي حرص على العودة إلى البلدة في منتصف الأسبوع، وملازمة الأسرة في تناول وجبة إفطار أول يوم من أيام شهر رمضان، هي لحظة لا مثيل لها، وتحرص عليها معظم العوائل. جلسوا معا بعد صلاة المغرب، يتحدثون عن الصيام، وعن عمر الابن الاكبر عندما صام رمضان كاملا للمرة الأولى، وهذا ما عجز عنه الشقيق الأصغر، حيث علق الأب على ذلك:” ربما مجيء رمضان في الشتاء ساعدك على ذلك، على عكس شقيقك الذي أدرك رمضان في الصيف عندما كان في ذلك العمر “. ابتسموا جميعًا. تبادلوا أطراف الحنين ومع الذاكرة عن حكايات قديمة. كان الابن الأكبر هو المعيل الوحيد، وهو الابن الذي يجسد طموحات الأب التي حُلم بها في شبابه، أرادها أن تتحقق في شخصية ابنه، رآه رجلا منذ نعومة اظفاره، وقد كان كذلك، إضافة إلى ما كان يتمتع به الابن من شخصية مستقبلة ذات همة عالية، وبروح معنوية عالية، وصحته جيّدة. قضى الليل مع أفراد أسرته، وعاد قرابة الفجر إلى العاصمة، ثم اتجه إلى عمله لاستلام ورديته. شعر الصهر بندم شديد عندما طاوع زوج شقيقته بالانتقال إلى العاصمة عن طريق البر، كان يشعر بالإرهاق والتعب، فقد استقلا سيارة GMC من طراز قديم، وتجاوزت درجة الحرارة الخمسين، ورغم صوت هدير المكيف، إلا أنه لا يبرد بالشكل المطلوب، مع الوقوف أحيانًا والانتظار طويلًا حتى تنخفض حرارة مبرد السيارة، قبل أن يملآنه بالماء في كل مرة، وقد كان عليهما قطع مسافة تزيد على 800 كيلومتر نحو الشمال. – إذا كنت تعرف أن هذا ما سيحدث لنا، لماذا لم نُسافر على الطائرة؟ انت معتاد على هذه الظروف وأنا سأموت في الحال! – نحتاج إلى هذه السيارة ولا نستطيع الحصول على غيرها هناك، الا اذا قمنا بسرقة واحدة، وهذا سيخلق لنا مشكلات صغيرة تعيق الوصول إلى الأهداف الكبيرة. – اووو.. لقد اقنعتني!، إذا كنت تعتقد ذلك كان يمكنني ركوب الطائرة وألتقيك في مسقط. – حسنا يمكنني العودة إلى صلالة، واحجز لك تذكرة، لكن سأخصم من حصتك ويكون لك الربع فقط، ويمكنك أن تتصفح Google Maps لتعرف المسافة المقطوعة، نحن بالقرب من هيماء أي في منتصف الطريق. – دائما لديك تبرير لكل شيء، على الأقل كان عليك الخروج في الليل.. اووه لا أعلم لماذا على المضي قدما معك. – كف عن التذمر، وهيا انزل لرفع غطاء المحرك لقد ارتفعت الحرارة مرة أخرى. وصلا في وقت متأخر من الليل، وكان قد استأجر شقة بعد خروجه من السجن في ولاية بركا، كان المكان في حالة يرثى لها، غبار على الأسطح، قطع أثاث موزعة عشوائيا، ملابس داخلية في أماكن متفرقة، علبة واقي ذكوري على طرف السرير، أكياس قمامة تحوي بقايا طعام تنبعث منها رائحة كريهة تعم المكان… وكل ذلك لم يمنع الصهر أن ينكب على وجهه وينام حتى عصر اليوم التالي. يجلس على الشرفة المطلة على الشارع، يرتشف الشاي ويمج سيجارته، ثم ينفث الدخان بعيدا بطريقة تعبر عن حالة توتر، كانت الطرقات تعج بالسيارات المسرعة، الجميع على عجل، فقد اقترب موعد الإفطار. كان الصهر لايزال مستلقيا على السرير، يتصفح هاتفه المحمول، يشاهد مقاطع فيديو لعمليات سطو مسلح، يبدو أنه معجب بأفلام الأكشن، أو ربما أراد إنهاء العملية على عجل ليغادر بالمال الوفير مبتعدا عن أجواء الخليج الحارة. انضم إليه في الشرفة، كانت لدى الصهر أسئلة تتعلق بالأمن والحراسات، وكما جرت العادة يفلح في إقناعه حول إمكانية اختراق الوحدات الأمنية، ويبرز له ثغرات أمنية يمكن تجاوزها، ربما اقتنع الصهر لأسباب تعود إلى قوة الإقناع أو ربما أراد الصهر سماع ذلك. اقتضت الخطة على المراقبة طيلة أسبوع، الذهاب إلى مسقط والعودة في اليوم ذاته، تنفيذ خطة الاستيلاء على السلاح ولو كلف ذلك قتل حارس، وقت الإفطار أو وقت السحور هي الأوقات المفضلة للتنفيذ. يتناوب الحراس الورديات حسب أوامر المسؤول، فمنهم من له وردية النهار ومنهم يحرس في وردية الليل، وكان الابن الأكبر يحرس ليلا رفقة زميله، كان الحارسان يذرعان الساحة بهدوء روحة وجيئة، وهما يتسامران ويحمل كل منهما سلاحه الخاص. وعلى مسافة بعيدة تقف سيارة GMC، يجلس فيها شخصان يراقبان حركة الحراس بصبر لا ينفد. بعد منتصف الليل ترك أحد الحراس الموقع لظرف ما، راقبا ابتعاده، كانت فرصة سانحة لا يمكن تفويتها، نزلا بتخفي، يحثان الخطى، اقترب الصهر من الحارس يتظاهر بالضياع ويسأل عن منطقة يقصدها، اجتهد الشاب في محاولة فهم لغته، وفي لحظة خاطفة باغته الآخر وجز عنقه، ثم أخذا السلاح وهربا متخذين الظلام ستار لهما. باشرت فرق التحريات والمباحث الجنائية البحث عن المتهم وتحديد هويته، واتخذت إجراءات أمنية مشددة. كان الأب يستقبل المعزين، مفجوعٌ بمقتل ابنه، يبحث عنه في عيون الجميع، في سماع ذكر اسمه، كان يأمل أن يكذب أحدهم خبر موته، تمضي الأيام الثلاثة ومازالت الصدمة لم تلقِ بثقلها، بدأ الفقد بدأ الفقد النتن تنبعث منه رائحة النكبة وأشياء تشي بالحزن / الموت/ اليتم/ الثكل… وأشياء يعتصرها القلب، تحتاجه الذكريات من الداخل وتسحقه، خارت قواه وظل ممددا على فراشه، عيناه غارقتان في الدموع، ولم تطل به الحياة أكثر من شهر حتى فاضت روحه كمداً على فراق ابنه. بعد مدة على الحادثة وردت برقية عن إطلاق النار على دورية تابعة للشرطة من قبل شخص مجهول، ومازالت التحريات جارية، تبين فيما بعد أن الرصاص يعود إلى السلاح المسروق. بعد يومين مباشرة ورد بلاغ عن سطو مسلح وسرقة بنك، واستولى الجناة على مبالغ مالية كبيرة، وبعد جمع الاستدلالات وسماع أقوال موظفي البنك والشهود، اتضح بأنه السلاح ذاته أيضا دون تحديد هوية الجناة الملثمين. كثفت فرق التحريات من عملياتها، وفي أقل من 24 ساعة اقتحموا الشقة، وجدوا الصهر يَعُد المبالغ، والمشتبه به الأول لم يكن في الموقع، وجدوا السلاح والسكين، وأدوات استعملت في عملية السطو. قبض على المشتبه به الأول ودلهم عليه الصهر. اقتيدوا إلى المحاكمة، طالب الادعاء العام بإنزال عقوبة الإعدام بحق المتهمين، دفع محامي المتهم الأول ببراءة موكله لعدم مسؤوليته عن تصرفاته، كون موكله يعاني من اضطرابات عقلية، وطالب بعرض موكله على لجنة طبية مختصة بمستشفى المسرة. استجابت المحكمة للدفع الجوهري، وأمرت بإحالة المتهم الأول إلى اللجنة الطبية، لكن التقرير جاء مؤكدا سلامته وأنه لا يعاني من أية اضطرابات عقلية. قررت المحكمة إغلاق باب المرافعة وحجز الدعوى للحكم بعد أسبوعين. بمضي أسبوعين كان الحضور في حالة ترقب، ولي الدم (الابن الأصغر) يجلس في القاعة، لم يستطع السيطرة على نفسه، كان يبكي بحرقة وهو يستمع لتفاصيل الجريمة، ورغم ذلك حرص على الحضور كل جلسات المحاكمة وجلسة النطق بالحكم. دخل رئيس الجلسة والاعضاء القضاة، وقف الجميع يردون التحية في مشهد مهيب. نودي على المتهمين، زج بهما في قفص الاتهام، كان يرتجف من شدة الخوف، والصهر يقف بجانبه يراقب ملامح وجه صاحبه ليفهم الحكم. ” الدعوى رقم… جنايات والمتهمين. حكمت المحكمة حضوريا بإدانة المتهمين بالجناية المسندة إليهما وقضت بمعاقبتهما بالإعدام “ المحامي محمد بن سعيد بن أحمد المعمري شركة المعمري والسعيدي محامون ومستشارون في القانون info@legaljm.com
- شكوك تنتهي بجريمة قتل والعدالة تقول كلمتها
فاطمة – ذات الأربعين عامًا- تجلس وحيدة في السجن، بعدما أعياها تعب الوقوف على شبح الأفكار، قدماها مثقلتان لا تحملانها، وملف قضيتها ينمو بسرعة هائلة، ففي كل يوم تُحشر في جوفه أوراقا جديدة، ابتدأت بأوراق جمع الاستدلات من الشرطة مرورا بقرار الإحالة من الادعاء العام، الذي طالب بتطبيق حكم الإعدام بحق فاطمة -المتهمة بقتل زوجها- وما زالت أوراق أدلّة الثبوت تُساق وتُعرض لعدالة المحكمة قبل تكديسها في أحشاء الملف! ظلّت فاطمة جالسة ، تراقب الأرض، تبكي تارة، وتفكر في طفولتها وشبابها حين تتعب من البكاء. تذكرت مدرستها وصديقاتها ومعلماتها، وكل الأشياء التي أُكرهت على مفارقتها. تذكرت كيف كبرت بسرعة، كما لو أنها قد ركبت قطارا سريعا عبر بها محطات السنين دون أن يتوقف، إلى أن أوصلها إلى محطة لم تكن تقصدها، ولم يكن لديها خيارٌ سوى النزول أو مواصلة الرحلة في قطار ليس له وجهة محددة. في هذه المحطة كان ينتظرها رجلٌ برابط قدسي، تزوجها وانتقل بها إلى العاصمة، وأنجبت بنتين وذكرًا واحدًا. في السنة الأولى؛ كحال معظم المتزوجين سكينة وهدوء، بين الحين والحين تهانٍ وابتسامات، ونبرة صوت تقترب من قلبها، تبادلا معا أطراف الحنين، ووجدا عند بعضهما الراحة والطمأنينة والاستقرار، وفي اجتماعهما السكن والاكتفاء، والمودّة والرحمة. وفي مساء يوم آفل – ذلك اليوم الذي رسم خرائط التيه لكلاهما- حين تسلّل الشكّ إلى قلب الزوج، وراح يترجم شكوكه بتصرفات وأقوال قاسية، كما لو كان قد ضبط زوجته متلبسة في خيانة زوجية. حاولت جاهدة الدفاع عن نفسها أمام اتهاماته، ذكّرته بتضحياتها، فعلت كل ما يمكن فعله لتخمد نارًا شبت فجأة في ذهن زوجها من أسباب واهية! ظنّت فاطمة أن تلك الحادثة ما هي إلا مشكلة تافهة ولن تحتفظ بها الذاكرة. لكن الشقاق تفاقم مع زوجها. يخلق خلافا لمسألة محل اختلاف لا خلاف، ثم تطور الأمر عندما صفع وجهها تاركا لهبا وغيظا، لأنها ردت على اتهاماته بلهجة لم يعتد سماعها من زوجته الخاضعة . لم تحتمل الصبر أكثر، سارعت إلى ملاذها_ أبيها_؛ فاتصلت به، وشرحت له كل شيء، وما هي إلا ساعات ووالدها معهم في المنزل، تحدث معهما طويلا، وفاطمة كانت مُصْغِية تهزُ رأسها ، في تلك اللحظة تذكرت أنها سمعت هذا الكلام من قبل، عندما حدثت مشكلة لأختها الكبرى، فقالت في نفسها: “لعل هناك كلمات محفوظة يستخدمها الناس في حل الخلافات بين زوجين ومشكلتنا لا تختلف عنها “. اطمأنّت قليلا؛ لأن أختها عاشت بسلام بعد ذلك الموقف. مضت الأيام والأشهر والزوج يزداد سوءاً، بل أنه لم يعد يحترم أحدا، واعتاد على السب والشتم وبذاءة اللسان. طلبت فاطمة من زوجها الطلاق، فاستشاط غضبا، واعتدى عليها بالضرب المبرح، تدخل والدها وأمها وأخذاها معهم إلى البيت. وبعد أسابيع؛ جاء الزوج بمعية والده، وطلبوا عودة فاطمة إلى بيتها، مع تعهّد الزوج بإمساكها بالمعروف، وعدم تكرار الإساءة لها. رجعت فاطمة بآمال جديدة، يدفعها الحنين إلى احتضان أطفالها، وبضغوط من أهلها، الذين ذكّروها بكابوس الحالة المزرية التي تنتظرها لو دخلت خانة المطلقات في المجتمع! عادت إلى حياتها كالمعتاد، رغم الخوف الذي ينهشها من الداخل، مارست حياتها ولم تطلب تحقيق وعود قطعها زوجها أمام أهلها، أرادت العيش بهدوء فقط مع زوجها وأطفالهما. ولأن الطبع يغلب التطبّع، بالكاد يمرّ الشهر الأول حتى عاد الزوج إلى قبح صنيعه، وأقسى من السابق، ورغم تكرار الخلافات بشكل يؤكد استحالة العشرة بينهما، كان أهلها يطلبون منها الرجوع إلى بيتها، لسان حالهم يقول: “ماشي عندنا بنات يدخلن محاكم وهذه مشكلات صغيرة بين أي زوجين تنحل بسهولة “، وفي كل مرة تعود فاطمة. بينما تحّول زوجها إلى شخص سادي يتلذذ بإيذائها: بالاعتداء، وبفاحش القول، واستمرأ ذلك على الدوام. بعد سنوات؛ وبينما هي في المطبخ تُعدّ طعام العشاء، دخل عليها زوجها وعيناه لا تحملان إلا الشر، كان غاضبا من كل شيء، وكارها لكل شيء.. تحدث عن أشياء لا تعرف عنها شيئا، أشياء حصلت معه: كخسارته الرهان في لعب القمار مع أصدقائه ليلة البارحة، أراد أن يعاقب نفسه، بالصراخ على فاطمة بأعلى صوته، واحتفظت هي بهدوئها مواصلة ما انشغلت به قبل مجيئه. تعب من صراخه واستراح على كنبة الصالة، وقربت له فاطمة العشاء، وضعت الطعام على السفرة، ثم عادت متجهة إلى المطبخ، ونادها بعبارة نابية لكنها لم تلتفت إليه، كرر عليها النداء: “فاطمة يا بنت…”. دلفت إلى المطبخ، وتبعها كوحش ينتصر لنفسه، شدّ شعرها وجذبها نحوه، وهو يهزأ بها، ثم دفعها نحو رفّ الأطباق وأدوات المطبخ، لتسقط على الأرض دون أن تصرخ أو تبكي في هذه المرة. عاد إلى الصالة، وجلس لتناول العشاء، أما فاطمة ظلت جالسة، شاخصة بعينيها نحو سكين سقطت أمامها، تدور في رأسها فكرة واحدة.. فكرة الخلاص! حملت السكين بيدها، تأملتها قليلا، ثم وقفت كشخص آخر لم يشبهها يوما، بدأ كل شيء ينهض في كيانها، حثّت خطاها نحو الصالة، واقتربت منه على مهل، لم يشعر بها إلا بعد أن أصبحت أمامه مباشرة، حاول الوقوف فسارعته بطعنة غرستها في خاصرته، أرادت بطعنتها أن تدخل معاناتها إلى جوفه دفعة واحدة! تقف اليوم فاطمة أمام العدالة، تواجه حكما بالإعدام.. ألصقت ظهرها بجدار سجن المحكمة ، خرجت تنهيدة مسافرة من أعماقها، حملقت في أرجاء المكان المعتم. تفرست ملامح الوجوه حولها، مسحت بعينيها تفاصيل المكان، والرائحة الوحيدة المتاحة هي رائحة التعرق الكريهة ورائحة الجوارب، رائحة السجن تشبه رائحة المراحيض.. يبدو أن قطار العمر توقف هنا.. عند محطتها الأخيرة ، عادة إلى مشاهد مرت بها تتجلى هذه اللحظة في نشوة التأمل، فمنذ تلك الليلة صارت تتذكر أدق تفاصيل حياتها، سرٌ ما يلف طفولتها البعيدة.. شيئا شفافا وكأنه حلم مرّ في النوم مرة واحدة لكن حُفر في الروح. سرحت بعيدا.. بعيدا..لكنها عادت الى واقعها بين جدران سجن المحكمة عندما نادت الشرطية …….(فاطمة)، قبل أن تقتادها نحو قاعة المحاكمة. بعد تلاوة قرار الإحالة، سألها القاضي: – ” فاطمة يتهمك الادعاء العام بأنك اقدمتي على قتل زوجك المدعو …، ما ردك على هذا الإتهام ؟ ” . ما إن سمعت السؤال حتى ارتبكت. رجعت إلى الخلف قليلا ورفعت رأسها محدقة في سقف القاعة الخفيض. لبثت دقائق في وضعها المضطرب، وعادت تنقل نظراتها الخائفة بين الهيئة القضائية ومحاميها ، ثم قالت شيئا. ـ “نعم” دون أن تضيف كلمة واحدة! استكمل القاضي التحقيق مع المتهمة، في إطار الاستنطاق التفصيلي، فلا يكفي اعتراف المتهم لبناء حكم الإدانة، بل إن المحكمة تأخذ باعتراف المتهم متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للواقع. بعد مرور ساعة رفعت الجلسة في اليوم الأول ، وعقدت المحكمة جلسات أخرى على فترات متواصلة، استمعت فيها إلى كل أوجه المرافعات من الإدعاء العام، ومحامي الدفاع عن المتهمة، واطلعت على أوجه الدفاع والدفوع. أسدل الستار أخيرا على القضية، وفي يوم النطق بالحكم ازدادت فاطمة ترقبا مشوبا بالتهيؤ لسماع المصير، كانت تقبع خلف القضبان الحديدية وتمسك فيها خوفا من سقوطها، وهي تترقب حكما قد يقضي بالإعدام . حضر جمهور غفير في اليوم المحدد للنطق بالحكم، استحضرت فاطمة مرة أخرى من السجن المخصص للنساء، حضرت الهيئة القضائية وممثل الادعاء، و وقف محامي الدفاع بجوار القفص،يهمس ببعض الكلمات لموكلته. -“نادي على القضايا المحجوزة للحكم” القاضي يأمر الحاجب. _(فاطمة بنت……) ” حكمت المحكمة حضوريا بإدانة المتهمة بالتهمة المسندة وقضت بمعاقبتها بالسجن خمسَ عشرةَ سنةً…” عندما سمعت الحكم ؛ تماسكت_رغم ما استبد بها من ألم_ وكان يبدو عليها الندم . سببت المحكمة حكمها، بالنظر إلى ظروف المتهم وملابسات القضية وتنازل ولي الدم، اعتبرته المحكمة من الاسباب المخففة التقديرية. المحامي محمد بن سعيد بن أحمد المعمري شركة المعمري والسعيدي محامون ومستشارون في القانون J.M@legaljm.com
- عانت من إيذاء والدها فاستعانت بمشعوذ.. وهذه كانت النهاية
فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة، تعاني من معاملة والدها لها، يقسو عليها في التعامل لدرجة الإيذاء، ففكرت في البحث عن حل مشكلتها عبر متصفح جوجل، لكنها لم تقتنع بأي طريقة من الطرق المنشورة، سواء عمل تقوم به أو دعاء أو كلمة طيبة أو حتى مصارحته؛ لأنها جربت كل ذلك، وعبثا ذهبت كل محاولاتها. أرادت حلا عاجلا ينجيها من تلك الحياة، عثرت على إعلان لمشعوذ “جلب الحبيب ورد البعيد”، سألته إن كان يوفر خدمة تغيير الآباء تجاه أبنائهم، وطلب المشعوذ (500 ريال) تدفع مقدما، وقدم لها ضمانات مقنعة أهمها: قسم برأس والدته وأبنائه بأنه سيجعل والدها يحبها ويدللها كيفما تشاء. تملكتها رغبة عارمة وملحة بالإمساك بواقع رأته حلما، شرحت حالتها الصحية للمشعوذ، وكيف أنها لا تفارق الجمادات ليطول مقامها بين الأحياء، تمسك المشعوذ بشرط دفع المال قبل البدء في العمل، وراح يوهمها بالنتائج المبهرة، ويحكي لها قصص أبطال خيالاته وكيف نعمت أعينهم. لم تكن عملية توفير المبلغ سهلة لشخص مقعد؛ فكلما طلبت المبلغ على سبيل القرض من أشخاص يعرفون حالتها الصحية، سرعان ما يبدون اعتذارا يعقبه الدعاء الذي يشبه الرثاء. قررت التوجه إلى العالم الافتراضي، حيث يمكن للمرء أن يفصل قناعا على مقاس حاجته لا على مقاسه، وتعرفت على شاب لتقضي معه أوقاتا طويلة عبر التواصل الإلكتروني، وبعد استهلاك الكثير من الوقت وبذل الكثير من المشاعر طلبت منه قرضا، ولم يتردد الحبيب في تحويل المبلغ لجميلته التي استعانت بالعم جوجل لتزويدها بالصور والتعديل عليها لإضفاء الواقعية. مرت أشهر على استلام المشعوذ للمبلغ، ولم يتغير والدها، تشتكي للمشعوذ معاناتها، وفي كل مرة يردد الأشياء ذاتها، تحدثه باحترام وخوف حد الخضوع، كانت تخشى غضبه وانتقامه منها.. ما زالت تصدقه! تحدث معها الشاب عن إرجاع المبلغ، ترجته بمنحها بعض الوقت، غضب الشاب وطلب منها المبلغ أو صورا وأمورا خاصة والخروج معه أو فضحها، حاولت معه وتوسلت، واضطرت إلى الإفصاح عن كل شيء، حتى عن معاناتها.. لكنه لم يكترث! أمهلها أياما قليلة، فكرت بأمور كثيرة ليس من بينها الحياة، وفي اليوم الأخير انتهت المشكلة مع الشاب بتدخل طرف قانوني. المحامي محمد بن سعيد بن أحمد المعمري شركة المعمري والسعيدي محامون ومستشارون في القانون info@legaljm.com
- من أروقة المحاكم: وعد كاذب بالزواج ينتهي بجريمة قتل
النهايات السيئة تعطي إشارات قبل حدوثها بفترات زمنية، وعلى المرء أن يكون حاسمًا في الكثير من الأمور، وأن لا ينتظر الأفضل من سلوك مشين ينحدر به نحو القاع وربما النهاية. ما الذي يحتاجه المرء، لمعرفة حقيقة الأشخاص، موقف، موقفان. ربما حتى ألف موقف لن يغير قناعة من يعطل العقل، ليجري الشيطان في داخله، ويقود دفة شعوره ، فيسير به نحو مجاهل التيه. هي فتاة وُصفت بالمثابرة والمجتهدة في الجامعة، أنهت الدراسة بتقدير امتياز، والتحقت بالعمل في الأشهر الأولى بعد التخرج، وكانت أيضا كما عُرف عنها..شمعة عطاء لا تذوب ولا تنطفىء! في يوم من الأيام، وأثناء عودتها من العمل؛ تنبهت إلى وجود سيارة خلفها، تُلاحقها إلى أن تصل المنزل، ثم تختفي بعدها، وفي اليوم التالي حصل الأمر ذاته وفي اليوم الثالث والرابع.. والأسبوع الأول والثاني…! في الأسبوع الرابع وبينما هي تركن سيارتها أمام المنزل، توقفت السيارة خلف سيارتها مباشرة، كان زجاج السيارة مغلف بالعازل الحراري ما يحجب الرؤية، وما هي إلا لحظات، ثم غادر المكان دون أن يحدث شيء يذكر. ظلت هي تفكر في حقيقة الشخص الذي يتبعها، كان الفضول ينمو في داخلها، الفضول الذي منعها من إخبار أهلها والتوق لمعرفة ذلك الشخص. في اليوم التالي كانت وحدها تسير باتجاه المنزل، ظلت تراقب المرآه.. لا أحد خلفها! وفي اليوم التالي لا أحد..اختفت السيارة طيلة الأسبوع. في اليوم الأول من الأسبوع التالي، وفي لحظة خروجها من مقر العمل، وجدت ورقة ملفوفة على منشفة السيارة وقد كتب عليها : ” مساء الخير.. أنا الشخص اللي تعودت أن أمشي وراءكِ إلى بيتك حتى أطمئن انك وصلتِ بخير، وللأسف صار لي حادث وظليت أسبوعًا في المستشفى وسيارتي بعدها في التصليح، ارتحت كثيرًا لما شفتك واطمنت عليك .. ” . وما إن قرأت الرسالة حتى حملقت عيناها ودق قلبها، ربما خوفا أو فرحا، واحتارت فيما تفعل، كلما طوت الورقة تعاود فتحها لتقرأ المكتوب من جديد. وما إن قرأت الرسالة حتى حملقت عيناها ودق قلبها، ربما خوفًا أو فرحًا، واحتارت فيما تفعل، كلما طوت الورقة تعاود فتحها لتقرأ المكتوب من جديد. بقت لأيام تُفكر في تلك الكلمات، ولم تجد إجابةً لسؤال واحد من جملة أسئلتها. أخذت تفكر في الأمر بجدية، هل هو زوج المستقبل؟ أيعقل أن يكون هو فارس الأحلام؟ لماذا هو هنا في هذا التوقيت؟ أيعقل أنه معجب بي ويرغب في الزواج مني ؟ هل سيكون أبًا لأطفالي؟ لكن، لحظة.. لحظة : من يكون هذا الشخص أصلًا؟ ( تضحك.. تضم مخدتها ثم تغمض عينيها كأنها تنام!) بعد مضي أربعة أيام، تفاجأت بسيارته واقفة على بعد أمتار من المنزل، ثم راح يقترب بمجرد وصولها، فتح نافذة السيارة وسلم عليها، امتلأ قلبها بشيء لا تعرف كُنهه، حبست أنفاسها كيلا يسربه الزفير، ثم رفعت رأسها وردت السلام بابتسامة، و دخلت إلى المنزل . في صباح اليوم التالي، ورقة أخرى على المنشفة، كلمات كثيرة مصفوفة ومنمقة بعدة ألوان، مذيلة برقم هاتف بين قلبين بلونين الأخضر والأحمر. بدأ التواصل بينهما عبر المسجات، ثم الاتصالات، أخبرها عن نيته بالزواج منها، ورسم لها الأحلام الوردية، عالم سرمدي من الأمنيات الخالدة.. تعلقت به وتفتقده كثيرا، واعتبرته هبة الله، لأن مجيئه في حياتها صادف الأيام التي تبرعت فيه بجزء من راتبها لأسرة فقيرة، فأعتقدته كارما حسنة لفعل خيّر. بعد أشهر على تواصلهما، حدثها عن مشاريعه وأن لديه صفقات تدر له مئات الآلاف، وأن الفضل كله يعود إلى الله وإلى دعاء والديه له ورضاهم عنه.. ابتسمت هي وأحست بالسكينة، ودعت له : الله يوفقك يا حبيبي ويجمعنا تحت سقف واحد في القريب العاجل. رد عليها : قريب قريب أجي بيتكم واتقدم لك، لكن عندي صفقة لازم أخلصها أول وأريدك تشاركيني فيها، وبنربح ذهب ونُؤمّن مستقبلنا ومستقبل أولادنا. قالت : كم تحتاج عمري؟ – فقط عشرين ألف. – بس ما عندي هذا المبلغ ولا أفديك. – ما تقصري حبيبتي أعرفك، سوف أتصرف، وعسى أن هذا الموضوع ما يؤخر زواجنا. أرجوك ادعي لي يا عمري. – أدعو لك دائما حبيبي، وأنا سأحاول أفكر في طريقة لتوفير المبلغ المطلوب، وهذا وعدٌ مني، وما لك الا اللي يرضيك وإذا عندك حل قولي. – ما أريد الا الدعاء؛ لأني أخاف أن تاخذي قرض، والربا حرام ما زين، إلا إذا دفعناه بسرعة لأني لا أرضى أن تأكلي أنتِ وأولادنا الحرام. – قرض! حبيبي أنا لا أحب القروض، ولكني سأضحي لأجلك فقط . بعد أسابيع استلم المبلغ كاملا، والتزمت هي بأقساط شهرية، ثم أخبرها بأنه يحقق أرباحاً جيدة، وسدد عنها بعض الأقساط لثلاثة أشهر، طلب منها الخروج معه، بدأ اللقاء والعناق والقبلات وذهب بها إلى أبعد من ذلك حين طلب منها طلب اجازة طارئه، ليقضيا اليوم في غرفة بأحد الفنادق. استمرت حياتهما على هذا المنوال، هي تدفع الأقساط البنكية وهو يطلب مزيدا من المال ، ويلتقيان للممارسة المعتاد كما لو كانا زوجين. ارتفع القرض إلى أن رفض البنك منحها المزيد، فأخذ يقاسمها المتبقي من راتبها، وما كانت لتعصي أمره، أحبته بكل مشاعرها، ورغم تساقط أقنعته واحدا تلو الآخر؛ ظلت تحرص على إسعاده. هذا الرجل كانت لديه سوابق جرمية، صحيفته الجنائية مليئة بقضايا النصب والاحتيال والتزوير..إلخ، ولكنها لم تكن تعرف كل ذلك، أرادته زوجا لها، ثم استحال إلى سرها الذي لا تريد أحد أن يعرفه، لذلك لم تكن تسأل عن شيء يخصه، فهو من ولاية مجاورة، وجل ما تعرفه عنه ما يخبرها به. مرت سنتين ونيف على هذا الحال، مواعيد ولقاءات حميمية، مما أدى إلى انقلاب حالتها رأسا على عقب، إهمال في العمل، تقصير مع الأهل، أصيبت به حد الاستبداد، ولم تكن لتغير شيء من حياتها، واستسلمت لكل رغائبه ونزواته، بدت كقارورة لو انكسرت لم يكن شيئا في داخلها غير الحطام! عاد لطلب المال مرة أخرى، ولم يبقَ معها شيء، خطط في طريقة لاستعمالها كأداة في عملية احتيال على احد الشيوخ الأثرياء، نجحت الخطة واستولت على مبلغ مالي فأخذه منها ومدح ذكائها الخارق. بعد أسابيع تنبه الشيخ إلى وقوعه ضحية جريمة احتيال، وتحرى عن المرأة حتى توصل إلى معلومات كاملة عنها، اجتمع بها وقال لها لا أريد أن افضحكِ عند أهلك، أعيدي إلي َ المال فقط! ارتعدت تحت تهديدات الشيخ، والتقت بالرجل لتطلب منه إعادة مال الشيخ والا ستقوم بفضحه وتخبر الشرطة بأنه من دبر الحيلة، وتخبر الشرطة عن كل شيء، وتشتكي لهم عن كل ما حصل معها، وتطالبه بإرجاع جميع أموالها التي أخذها منها. وقف الرجل ينظر إليها، لأول مرة تتحدث معه بطريقة حاسمة وعنيفة، كان يراها لاشيء أمامه، مجرد أداة لصرف المال وتحقيق الرغبات إن دعت الحاجة. ضمها بهدوء، ووعدها بحل المشكلة مع الشيخ. خرجت من عنده على أمل اللقاء بعد يومين، طلب منها أن تكون حذرة وأن لا تخبر أحدا عن أي شيء، وطلب منها أيضا الاحتراس أن لا يعلم أحد وقت مجيئها إليه في الموعد القادم؛ لكي ينتهي الموضوع ويتفرغا معا لمواصلة حياتهما والزواج بعد ذلك. وبعد يومين كانا على الموعد، اِلتقيا في منزل، فجأة انقطعت الكهرباء، اقترح عليها الصعود إلى سطح المنزل إلى أن تعود الكهرباء فالجو حار في الغرفة. وقفت بجانبه وأسندت ذراعيها على جدار السطح، اختفت المنازل تحت جنح الظلام، بدا كل شيء يعود إلى أصله، رفعت رأسها تراقب النجمات، تذكرت طفولتها عندما كانت تستلقي على فراشها بجانب أفراد أسرتها على سطح المنزل، وكيف كانت تنافس شقيقتها على احتساب النجوم، وتستمع إلى والدتها عن أساطير بنات النعش. تدحرجت دمعة من عينها دون تبين ذلك. بعد لحظات عادت الكهرباء، طلب منها النزول أولا : اركضي وانا اركض وراك. نزلت بخطوات متسارعة ، وبحركة مباغته دفعها بكلتا يديه لتسقط عبر السلالم، لحق بها مسرعًا، أمسك برأسها وأخذ يطرق به على الدرج حتى تهشم، حملها إلى المطبخ ليستخرج الأدوات التي أعدها مسبقا لإكمال جريمته، مزق الجثة إلى عدة قطع، رمى الأشلاء في كيس أسود، ونقلها ليتخلص منها في ولاية أخرى تبعد أكثر من 300 كيلو متر. اختفت المرأة، لا أثر لها، نشطت فرق البحث والتحريات.. لا أثر ! بعد ثلاثة أيام تنبّه أحد العمال إلى وجود كيس تنبعث منه رائحة كريهة جدا، ويحوم حوله الذباب الأزرق، دفعه الفضول إلى فتح الكيس، ثم التواصل مع الشرطة. في هذه الأوقات وقبل أن تتعرف الشرطة على هوية المجنى عليها، اتصل رجل يستفسر من شرطة الولاية : -حصلتوا جثة البنت اللي تدوروها؟ – جثة البنت؟ اي بنت وكيف عرفت انها قُتلت؟ ( الشرطي كان ذكيا) أغلق الاتصال مباشرة، وبتتبع الرقم عُرف المتصل واتضح انه القاتل، وتم فحص رقم الضحية وتبين الاتصالات الأخيرة بينهما. تم القبض عليه واستعصم بالانكار لكن تحت ضغط التحقيقات إعترف بالجريمة. أقر بأنه أراد التخلص منها لكي لا تفضحه أمام الشيخ وتورطه بمشاكل أو تطالبه باسترجاع أموالها، وبأنه قد حضّر للجريمة ومهد لها بشراء ساطور وأكياس سوداء، وكان يخطط لخنقها، لكن استغل لحظة انقطاع الكهرباء و وجودهما على سطح المنزل. أحيل إلى المحكمة الجنائية وحكم عليه بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم رميا بالرصاص . المحامي محمد بن سعيد بن أحمد المعمري شركة المعمري والسعيدي محامون ومستشارون في القانون info@legaljm.com
- جريمة رأي عام حطم مركبة طليقته وجدار منزلها التكييف القانوني للجريمة وقرار الإحالة من الادعاء العام
ردا على استفسار أحد السائلين حول تعليقنا على قرار الإحالة في الجريمة التي شغلت الرأي العام بقيام أحدهم باستخدام مركبته في تحطيم مركبة طليقته وتحطيم جدار المنزل بالتفصيل الذي يعلمه الجميع، وما انتهى إليه الادعاء العام من تكييف الواقعة بأنها (جنحة تخريب مال منقول مملوك للغير) فإننا نعلق على ذلك بالتالي: لقد أوضحنا وجهة نظرنا حول التكييف القانوني للواقعة منذ أول وهلة، وهنا نؤكد ما قلناه مع مزيد بسط له، لعله يجد آذانا صاغية لدى الادعاء العام وذلك بالتفصيل التالي: أولا/ جنحة تخريب مال منقول مملوك للغير: ذكرنا في تكييفنا سابقا أن الواقعة تشكل في جانب منها جنحة تخريب مال منقول مملوك للغير المؤثمة بنص المادة (376) من قانون الجزاء، وهو ما اتفق فيه معنا الادعاء العام في قرار الإحالة، إلا أنه أغفل عدة جرائم تطرقنا إليها، وهي ما نفصلها فيما يلي. ثانيا/ جنحة تخريب مال ثابت مملوكا للغير: أيضا فإن الواقعة تشكل جريمة أخرى بأركانها المستقلة المختلفة عن الجريمة الأولى، إذ تشكل جنحة (تخريب مال ثابت مملوك للغير) المؤثمة بالمادة ذاتها، وتتكون هذه الجريمة من فعل ونتيجة وعلاقة سببية مستقلة عن الجريمة الأولى، إذ أن الاصطدام الأول بمركبة المجنى عليها هو ما شكل فعل التخريب ونتيجة التخريب الواقعة على المركبة، وتوافر القصد الجنائي بعلم الجاني بأن فعله هذا سوف يحدث الضرر الذي نتج عن الجريمة. ثم حينما قام بالاصطدام الثاني الذي حطم فيه جدار المنزل؛ فإننا نكون إزاء فعل جديد يتمثل في دفع مركبة المجنى عليها باتجاه الجدار بشدة مما تسبب في تحطيمه، وكانت النتيجة أن الجدار قد تحطم، وهي نتيجة متوقعة، حيث إن مركبة المجنى عليها كانت ملتصقة بالجدار، واستخدام الشدة في الاصطدام بها سيؤدي حتما إلى تحطم الجدار، وعليه تكون أركان الجريمة مكتملة الأركان بجميع عناصرها. وحيث أشاح الادعاء العام بوجهه عن هذه الجريمة، فإننا نرى من الناحية القانونية أنه وقع في خطأ قانوني يستدعي منه مراجعة تكييفه مجددا. مع الإشارة إلى أن جريمة التخريب ليست من جرائم الشكوى، وبالتالي فإنه لا يستدعي وجود الصفة فيمن يقدم البلاغ، ولذلك لا يجوز التعذر بأن المجنى عليها مستأجرة للمنزل وليست المالكة. الجريمة الثالثة: جنحة سياقة مركبة بطريقة تشكل خطورة وتعرض حياة الآخرين وأموالهم للخطر المؤثمة بنص المادة (50) من قانون المرور وتعديلاته. أيضا فإن الجاني قام بقيادة مركبته بطريقة تشكل خطرا على حياة الآخرين وأموالهم، حيث كان من الممكن أن تزهق أرواح بسبب استخدام الجاني لمركبته بتلك الطريقة، وهي جريمة غفل عنها الادعاء العام وكان من المتوجب إضافتها في قرار الإحالة. الجريمة الرابعة: جنحة انتهاك حرمة مسكن بواسطة الكسر المؤثمة بنص المادة (371/ الفقرة الثانية) من قانون الجزاء. أيضا تشكل الواقعة جنحة انتهاك حرمة مسكن وفق نص المادة المذكورة، وقد يثور لغط قانوني حول انطباق هذه الجريمة، وهو لغط يتلاشى مع التصور الحقيقي للواقعة، ولذلك نوضح قيام هذه الجريمة بشيء من التفصيل. جريمة انتهاك حرمة مسكن بواسطة الكسر تتحقق بدخول الجاني إلى منزل بواسطة الكسر ودون إذن ممن له الحق بالإذن أو المنع، ولم يحدد القانون طريقة معينة للدخول، فقد يدخل الشخص راجلا، وقد يدخل بسيارة وقد ينزل إلى الفناء برافعة، إذ لا تهم وسيلة الدخول، فما يهم هو تجاوز الجاني شفير سور المنزل، وبالتالي تقوم الجريمة، وبالاطلاع على المقطع المصور، وجدنا أن الجاني لم يكتف بتحطيم المركبة، وإنما أتبعها بتحطيم الجدار، ثم أيضا لم يكتف بذلك، بل دخل بمركبته إلى داخل حدود سور المنزل، وبالتالي فقد قامت جريمة جديدة في مواجهته. وكما يقال بالمثال يتضح المقال، ونقول للادعاء العام هب أن شخصا جاء بمعدة وقام بتكسير الجدار ولكن لم يدخل إلى الداخل، فقط اكتفى بتحطيم الجدار، بينما جاء آخر وقام بتحطيم الجدار ودخل إلى داخل الفناء، هل يستويان؟ بالطبع لا، فالأول لم ينتهك حرمة المسكن، بينما الثاني انتهكها. وإذا قال قائل بأنه لم يقصد انتهاك حرمة المسكن، نقول بأن توافر علمه وإرادته في الوجود داخل حدود السور دون إذن من له حق المنع والإذن يجعل من القصد الجنائي متوافرا بغض النظر عن الغرض من وجوده هنالك، إذ أن على الادعاء العام إسباغ جميع الأوصاف على الواقعة، وأما الباعث من الفعل فهو مسألة أخرى لا علاقة لها بالتكييف. لذا فإننا نرى من الناحية القانونية أن الادعاء العام أخطأ خطأ جسيما في إسباغ الأوصاف القانونية السليمة على الواقعة، وندعوه إلى مراجعتها مجددا، فالفضيلة كل الفضيلة في الرجوع إلى الحق متى استبان له ذلك. ملاحظة أخيرة: (المصادرة) هناك خطأ جسيم آخر وقع فيه الادعاء العام، وهو عدم المطالبة بمصادرة الأداة المستخدمة في الجريمة، وهي مركبة الجاني، وذلك استنادا لنص المادة (59) من قانون الجزاء، وإن كان الحكم بالمصادرة جوازي للمحكمة إلا أن المطالبة بها من قبل الادعاء العام وجوبية، وقد تعودنا من الادعاء العام أنه شرس في المطالبة بمصادرة أداة الجريمة، ففي جرائم بسيط حينما يخطئ شخص ويرسل كلمة تحمل سبا عاديا إلى آخر باستخدام هاتفه عبر برنامج الواتسأب في محادثة شخصية بينهما لم يطلع عليها أحد غيرهما، نجد الادعاء العام يسارع في طلب مصادرة الهاتف، ولا نقول أن مطالبته غير قانونية، ولكن المسار العملي يجب أن يكون متوازنا ومضطردا في التطبيق، كما أننا نعلم أن التفتيش على أعمال أعضاء الادعاء العام يشدد حول هذه الأخطاء. في الختام نؤكد أن جميع الجرائم هي جرائم مستقلة لا تخضع لتطبيق المواد (63) و(64) من قانون الجزاء، لكون جريمة تخريب المركبة حدثت أولا، ثم جريمة تخريب الجدار حدثت بعد ذلك، ثم الدخول إلى المنزل تم أخيرا، وكل ذلك تم باستخدام المركبة بطريقة مخالفة للقانون. هذا ما نراه، والنقاش أعلاه هو علمي بحت، وجل من لا يسهو، والكلمة العليا للمحكمة في التكييف القانوني، وكلنا نستمد العلم من واسع علمها. شركة المعمري والسعيدي محامون ومستشارون في القانون info@legaljm.com










