top of page

الصلح بين الزوجين وروح الحياة التي نريد إعادتها المحامي محمد بن سعيد المعمري

قبل 12 ساعة
3 دقيقة قراءة

 الصلح بين الزوجين وروح الحياة التي نريد إعادتها
المحامي محمد بن سعيد المعمري

كثير من اتفاقات الصلح الأسري تكتب كما تكتب العقود التجارية، باستقصاء الاحتمالات وإحصاء الأخطاء وربط كل مخالفة بجزاء محدد. وهذه المنهجية في موضعها الصحيح ضرورة؛ فالعقد نائم حتى يثور الخلاف فيستيقظ، والدقة فيه حماية للحقوق وحسم للنزاع. لكن الأمر يحتاج إلى تأمل حين ننقلها بحذافيرها إلى وثيقة غايتها إعادة زوجين إلى بيت واحد؛ فاستيقاظ بند عند كل خلاف صغير قد يحول الحياة المشتركة إلى محاسبة يومية، ويضيق مساحة التسامح التي لا تقوم العشرة من دونها.


والصلح الذي يراد منه استمرار الزواج ليس تسوية بين خصمين. هو محاولة لإحياء علاقة، ومن يكتب وثيقته يفكر في الحياة التي سيعود إليها الزوجان بعد مغادرة مجلس الصلح.


وموضع التأمل في هذه الاتفاقات طريقة تناولها لتفاصيل الحياة الزوجية؛ فبعض العبارات تستحضر الأخطاء السابقة وتعيد سردها، وبعضها يشعر أحد الزوجين بأنه متهم يخضع للمراقبة بعد عودته؛ فيدخل البيت والوثيقة معلقة فوق رأسه، ويتحول الاتفاق الذي كتب لطي الصفحة إلى سجل دائم للمحاسبة. والأقرب إلى غاية الصلح أن يحدد السلوك المطلوب بوضوح، كأن يتفق الزوجان على الاحترام المتبادل والامتناع عن الإساءة ومعالجة الخلاف بالحوار متى أمكن، مع بقاء الحقوق ووسائل حمايتها المقررة قانونا.


وقد يقال: إن التفصيل أحفظ للحقوق وأقطع للنزاع. وهذا صحيح بقدر الحاجة إليه؛ فالشروط اللازمة لحماية الحقوق ومعالجة الضرر تبقى جزءا مهما من الصلح: النفقة والالتزامات المالية تحدد مبالغها ومواعيدها، والضرر الثابت يعالج معالجة صريحة تحفظ حق المتضرر وتمنع تكراره، وتقدير الحاجة إلى التفاصيل يرتبط بظروف كل حالة. وموضع الاعتراض هو التفاصيل التي ترهق العلاقة دون أن تقدم لها حماية حقيقية. وقاعدتي عند مراجعة أي بند أربعة أسئلة: ما وظيفته؟ وهل هو واضح؟ وهل يمكن تنفيذه؟ وما أثره المتوقع في العلاقة بعد التوقيع؟ فإن كان مرهقا دون ضرورة لحماية حق أو دفع ضرر، أعيدت صياغته أو استبعد؛ فالحياة الزوجية تحتاج إلى مساحة للتفاهم والتجاوز، مع التمييز بين خلاف عابر يمكن احتواؤه وإساءة تستوجب تدخلا يحمي المتضرر ويكون توثيقها ضروريا لصيانة حقه.


ومن واقع الممارسة، رأيت أن طريقة الصلح قد تهدم ما يبنيه مضمونه؛ فقد يقبل أحد الزوجين الالتزام ثم ينفر من طريقة فرضه أو إعلانه أمام الأهل، ويوقع وهو يشعر بأنه خرج مهزوما، ويحمل هذا الشعور معه إلى البيت. وقد يتمسك الآخر ببند وقف أهله خلفه؛ فيصبح التراجع عنه في نظره تنازلا أمامهم. ومن حضر مجالس الصلح سمع عبارات مثل: “لا توقع حتى يكتب لك هذا الشرط”. وهكذا تتسع دائرة الخلاف، ويصير البند الذي كتب للإصلاح موضوع خصومة جديدة. ومهمة المصلح أن يحفظ كرامة الطرفين، ويفهم المخاوف التي تقف خلف مطالبهما، ويوجه مساندة الأهل نحو التهدئة وتشجيع الوفاء؛ فقد يوقع الزوجان إرضاء للحاضرين، ثم يخرجان وكل منهما ينتظر من الآخر أن يبدأ بالتنازل.


وهذا الفهم يتصل بغاية الزواج كما رسمها قانون الأحوال الشخصية؛ فالمادة 4 ربطته بإنشاء أسرة مستقرة على أسس المودة والرحمة، والمادة 36 جعلت حسن المعاشرة وتبادل الاحترام والعطف والمحافظة على خير الأسرة من الحقوق والواجبات المتبادلة. وقررت المحكمة العليا في الطعن رقم 2021/391، بجلسة 2022/4/17، أن “الزواج شرع ليحقق مقاصد سامية، أهمها الاستقرار العائلي وأن يكون كلا الزوجين سكنا للآخر”، وربطت هذه الغاية بحسن العشرة.


ووصف القرآن العلاقة بين الزوجين بالمودة والرحمة، وسمى العقد ميثاقا غليظا؛ فغلظة الميثاق مسؤولية وحرمة للحقوق، والمودة والرحمة روح التعامل اليومي. ومن يصوغ صلحا بين زوجين يحتاج أن يحضر المعنيان في قلمه معا؛ فالورقة وحدها لا تكفي، والاتفاق يحتاج وفاء عمليا يعيد الثقة ومعالجة لأسباب الخلاف، حتى تكون الوثيقة عونا على بناء حياة مستقرة، ويظهر نجاحها بعد التوقيع في حسن العشرة والوفاء.



بقلم المحامي/ محمد بن سعيد المعمري

شـــــــركة الـــــمـــعمري والـــــســعيدي

محــــامون ومستشــــــارون في القانون

هاتف: 90605000

البريد الالكتروني: info@mflegal.net  - mohd@mflegal.net


 
 
 

تعليقات


bottom of page